حكايات المونديال (15).. كيف أشعلت «جبيرة جبس» و«بائع زهور» نهائي كأس العالم 1978؟
في «حكايات المونديال» نفتح صفحات من ذاكرة كأس العالم، حيث تختلط الدموع بالفرح، وتتحول اللحظات العابرة إلى قصص خالدة لا ينساها عشاق الكرة.
من أهداف صنعت المجد إلى مواقف غيّرت التاريخ، نروي حكايات البطولة الأكبر كما عاشها العالم عبر الأجيال، قبل أن تنطلق صافرة كأس العالم 2026 في أمريكا وكندا والمكسيك.
بائع زهور يقود منتخب بلاده لنهائي كأس العالم
في ربيع عام 1978، كان التوتر يفرض نفسه على معسكر المنتخب الهولندي المستعد للسفر إلى الأرجنتين لخوض المعركة المونديالية.
المدرب النمساوي الصارم «إرنست هابل» كان لا يزال ملتزماً بعقده مع نادي بروج البلجيكي، فترك مهمة تجميع اللاعبين في أمستردام لمساعده «يان زفارتكريوس».
التزم الجميع، وحضر النجوم.. باستثناء مقعد واحد ظل فارغاً.. مقعد المهاجم العملاق لنادي رودا «ديك نانينغا».

اندفع زفارتكريوس نحو هاتف المنزل والغضب يملأ عينيه، ليرفع السماعة ويطلب رقم نانينغا. حين جاءه الصوت من الطرف الآخر، لم يكن المبرر إصابة مفاجئة أو حادثاً طارئاً، بل كان أغرب عذر يتلقاه مدرب في تاريخ كأس العالم.
قال نانينغا بنبرة هادئة: «أعتذر بشدة يا كوتش.. لكني لن أستطيع الحضور اليوم. لا يمكنني ترك متجري وحيداً»
لم يكن نانينغا يمزح؛ فإلى جانب حذائه الرياضي، كان يملك متجراً صغيراً لبيع الزهور في قلب العاصمة الهولندية.
وتابع يبرر موقفه وكأنه يتحدث عن صفقة تجارية هامة وليس عن تمثيل وطنه: «نحن على أعتاب موسم عيد الأم، وهذا أهم وقت في السنة لبيع الزهور.. الناس تشتري بجنون الآن، ويجب أن أستغل الفرصة لتأمين رزقي.. أما بالنسبة للتدريب.. فلا تقلق، سنحظى بالوقت الكافي لاحقاً».
أغلق المساعد الهاتف وهو لا يعلم هل يضحك أم يستشيط غضباً، لكنه في النهاية وافق على مضض.
كان بائع الزهور يعرف تماماً ماذا يفعل، ويمتلك ثقة لا تهتز.
دارت الأيام، وسافرت الطواحين الهولندية إلى بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين ووصلت إلى المباراة النهائية الحارقة أمام صاحب الأرض «الأرجنتين».

وفي الدقائق الأخيرة من عمر المباراة، والملعب يغلي بصياح جماهير التانجو، كانت هولندا متأخرة بهدف.. هنا، التفت المدرب إلى دكة البدلاء، ودفع بـ «بائع الزهور» نانينغا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي الدقيقة 82، حدثت المعجزة تطاول نانينغا في الهواء، وسط غابة من المدافعين الأرجنتينيين، ضرب الكرة برأسه لتسكن الشباك بعنف.. سكت الملعب بأكمله، وصعق ملايين الأرجنتينيين.. بائع الزهور الذي غاب عن التدريب من أجل «عيد الأم»، هو نفسه الرجل الذي جرّ الأرجنتين إلى الأشواط الإضافية وهزّ كبرياء المستضيف.
ورغم أن هولندا خسرت في النهاية بثلاثة أهداف لهدف بعد وقت إضافي قاتل، إلا أن التاريخ حفظ اسم «ديك نانينغا» ليس فقط كصاحب هدف في نهائي المونديال، بل كالرجل الذي أثبت أن المسؤولية تجاه العائلة والتجارة البسيطة، قد تصنع في بعض الأحيان أبطالاً يخلدهم تاريخ كرة القدم.

معركة "الجبس" التي أخرت نهائي المونديال
كانت الأجواء مشحونة إلى أقصى حد في ملعب "المونومنتال" قبل انطلاق نهائي مونديال 1978.
وطأت أقدام لاعبي هولندا والأرجنتين العشب الأخضر، لكن عينا القائد الأرجنتيني الشرس، دانييل براتوني، لم تكن تراقب الكرة، بل كانت مثبتة بغضب على معصم صانع الألعاب الهولندي، رينيه فان دي كيركهوف.
كان رينيه يرتدي جبيرة من الجبس لحماية يده المصابة.. جن جنون القائد الأرجنتيني، وتوجه بخطوات واثقة وصارمة نحو الحكم الإيطالي سيرجيو جونيلا، ليرمي بورقته الأخيرة في الحرب النفسية قبل الصافرة: «لن تبدأ المباراة حتى ينزع هذا الشيء من يده».
توقفت عقارب الساعة، واشتعلت أزمة دبلوماسية مصغرة على خط التماس. لم يكن هناك مفر؛ فالجبس الصلب قد يتحول إلى سلاح فتاك في الالتحامات البدنية.. وتحت الضغط الأرجنتيني الرهيب وصرامة الحكم، اندفع طبيب المنتخب الهولندي على عجل، وقام بنزع الجبيرة الجبسية واستبدالها بأخرى مطاطية من البلاستيك اللين لتقليل الخطورة.. ثماني دقائق كاملة من حبس الأنفاس والتوتر عاشها ملايين المشاهدين خلف الشاشات، تأخرت فيها ضربة البداية لواحد من أعنف النهائيات في تاريخ كرة القدم بسبب «قطعة جبس»

عندما طرد عسكري أرجنتيني هرم التدريب العالمي
في الممرات المؤدية إلى قاعة المؤتمرات الصحفية بملعب "المونومنتال"، كان هناك عسكري أرجنتيني يقف بوضعية الاستعداد، ممتلئاً بصرامة الواجب الوطني. فجأة، لمح رجلاً غريباً يقترب من البوابة المحرمة. تحرك العسكري كالجدار، واعترضه بلهجة عسكرية حازمة لكنها لا تخلو من الود: «ممنوع العبور من هنا يا سيد».
نظر إليه الرجل الأجنبي، وبثقة مفرطة ولكنة إنجليزية فظة، أجاب باختصار شديد وثقة: «أنا هابل».
لم يهتز العسكري الأرجنتيني، بل قرب وجهه حتى أصبح على بعد سنتيمترين فقط من أنف المدرب الأسطوري، وسأله ببرود: «ماذا؟».
هنا، بدأ الاحمرار يتسلل إلى وجه "هابل" من شدة الإحراج والغضب، فقال بنبرة توسل هذه المرة: «أنا هابل.. Please (أرجوك)».
لكن العسكري الأرجنتيني قاطعه بقسوة لا تعرف المزاح، وصاح بلهجة جهورية هزت أركان الممر: «لا بليز ولا بلوز! هذا مؤتمر صحفي، ولا يسمح بالدخول هنا إلا لـ "مينوتي" (مدرب الأرجنتين)، ومدرب هولندا، والصحفيين المعتمدين.. والآن، إلى الخارج!».

وهكذا، أدار «هابل» جسده إلى الخلف مستسلماً ومجرداً من هيبته، وتراجع بخطوات يملؤها الذهول، بينما ظل المـجند الأرجنتيني واقفاً في مكانه كالطود، وصدره يتسع فخراً بالعمل البطولي والمهم الذي يؤديه لحماية النظام.
وفي تلك الأثناء، كانت قاعة المؤتمرات الصحفية تعج بالصخب؛ حيث جلس مئات الصحفيين الذين توافدوا من كل حدب وصوب، والكل يترقب ويتهامس ويتساءل بعلامات استفهام ملأت الوجوه: "أين ارنست هابل؟".. "لماذا تأخر المدير الفني لمنتخب هولندا؟".
ظل الصحفيون يبحثون عن إجابة لغز غياب المدرب النمساوي الداهية عقب خسارة نهائي المونديال، ونسجوا خلف كواليس الصحافة قصصاً وتكهنات لا تنتهي، دون أن يدرك أحد منهم أن هذا العقل الكروي الفذ الذي قاد الطواحين، كان يقف عاجزاً ومطروداً خارج الأبواب.. فقط لأن مجنداً أرجنتينيًا مخلصاً قرر ألا يعترف بـ “لا بليز.. ولا بلوز”.



اقرأ أيضًا:
- حريفة المونديال (1).. «بيليه المراهق» أصغر بطل مونديالي يتحدى الطبيب النفسي ويصنع التاريخ
- حكايات المونديال (1).. عندما تحول ملك رومانيا إلى مدرب لمنتخبه
- حكايات المونديال (2).. الحكم المصري الذي أضاع حلم إسبانيا في كأس العالم 2002
- حكايات المونديال (3).. نطحة زيدان اللحظة التي غيرت نهائي كأس العالم 2006
- حكايات المونديال (4).. كيف خلد «أسير الحرب» اسمه بأول أهداف كأس العالم؟
- حكايات المونديال (5).. أول مشاركة لمنتخب مصر في كأس العالم بميزانية 900 جنيه (فيديو)
- حكايات المونديال (6).. سفينة الفاكهة التي حملت حلم أول كأس عالم في التاريخ
- حكايات المونديال (7).. من أول ثلاثية إلى أسرع هاتريك في كأس العالم
- حكايات المونديال(8).. رحلة أسطورية لميسي ورونالدو من ألمانيا 2006 إلى أمريكا 2026
- حكايات المونديال (9).. حراس كتبوا التاريخ بشباك نظيفة في كأس العالم (فيديو)
- حكايات المونديال (10).. من هو أقوى المنتخبات هجوميًا في نسخة واحدة من كأس العالم؟
- حكايات المونديال (11).. مكيدة "المسبح" التي أطاحت بالطواحين الهولندية
- حكايات المونديال(12).. كيف كتب المغرب أعظم إنجاز عربي في تاريخ كأس العالم؟
- حكايات المونديال (13).. جزمة سلف وشنط أكل من باريس وهداف حافي صنعوا معجزة فرنسا 1958
- حكايات المونديال (14).. كيف أضاع مشجع زوجته بسبب غياب مارادونا بعد الرهان عليها؟
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق ( الأيام نيوز) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا
موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيام TV، حوادث، خدمات مثل سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات ، جميع الدوريات.
- كأس العالم 2026
- هولندا
- منتخب هولندا
- الأرجنتين
- مونديال 2026
- نهائي كأس العالم
- ملاعب كأس العالم 2026
- كأس العالم أمريكا 2026
- حكايات المونديال
- حكاوي المونديال
- حكايات كأس العالم
- جدول مباريات كأس العالم 2026
- موعد كأس العالم 2026
- هداف كأس العالم 2026
- أخبار كأس العالم 2026
- كأس العالم 1978
- مونديال 1978
- ديك نانينغا