الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

بث مباشر خطبة الجمعة اليوم 1 مايو 2026.. إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاريٌّ

بث مباشر خطبة الجمعة اليوم
بث مباشر خطبة الجمعة اليوم

حددت وزارة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة اليوم 1 مايو 2026 والموافق هجريا 13 ذو القعدة 1447هـ ، ويأتي بعنوان " إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاريٌّ"، وفي السطور التالية نستعرض لكم نص الخطبة. 

بث مباشر خطبة الجمعة اليوم 1 مايو 2026 

تذاع شعائر صلاة الجمعة من مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة.

نص خطبة صلاة الجمعة 1 مايو 2026 

"الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:

أولًا: حث الإسلام على إتقان العمل.

إنَّ قيمةَ إتقانِ العملِ في الإسلامِ قيمةٌ عليا، يجبُ مراعاتُها في السلوكِ الاقتصاديِّ، وخاصةً في عمليةِ الإنتاجِ، وقيمةُ إتقانِ العملِ تُوصلُ العبدَ إلى محبةِ اللهِ تعالى، فعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقنَهُ» (الطبرانيُّ والبيهقيُّ بسندٍ حسنٍ). ولقد أحسنَ من قالَ:

إذا عملَ المرءُ المكلفُ مرةً …. عملًا فإنَّ العيبَ ألا يُحسنَهُ

فقدْ ذكرَ المختارُ أنَّ إلهَنا ….. يُحبُّ لعبدٍ خافَهُ أنْ يُتقنَهُ

بث مباشر خطبة الجمعة اليوم

بل إنَّ الرسولَ ﷺ حثَّنا على إتقانِ وإحسانِ الذبحِ رحمةً بالطيرِ والحيوانِ فقالَ ﷺ: «إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شفرتَهُ، فليرحْ ذبيحتَهُ» (مسلمٌ).

وفي مجالِ العبادةِ حثَّنا الإسلامُ على إتقانِها وأدائِها كاملةَ الأركانِ والشروطِ والواجباتِ؛ وإلا كانتْ هباءً منثورًا، فعن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ، فصلَّى، ثم جاءَ، فسلَّمَ على النبيِّ ﷺ فردَّ النبيُّ ﷺ عليهِ السلامَ، فقالَ: «ارجعْ فصلِّ فإنَّكَ لم تُصلِّ»، فصلَّى، ثم جاءَ، فسلَّمَ على النبيِّ ﷺ فقالَ: «ارجعْ فصلِّ، فإنَّكَ لم تُصلِّ» ثلاثًا، فقالَ: والذي بعثَكَ بالحقِّ، فما أُحسنُ غيرَهُ، فعلِّمني، قالَ: «إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبِّرْ، ثم اقرأْ ما تيسَّرَ معكَ من القرآنِ، ثم اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائمًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم افعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلِّها» (متفقٌ عليهِ).

إنَّ العبرةَ ليستْ بكثرةِ العملِ وإنما بإتقانِهِ، يقولُ وُهَيبُ بنُ الوَرْدِ: “لا يكنْ همُّ أحدِكم في كثرةِ العملِ، ولكنْ ليكنْ همُّهُ في إحكامِهِ وتحسينِهِ، فإنَّ العبدَ قد يُصلِّي وهو يعصي اللهَ في صلاتِهِ، وقد يصومُ وهو يعصي اللهَ في صيامِهِ” [صفةُ الصفوةِ]. فأتقنْ عملًا واحدًا تتميَّزْ بهِ أفضلَ من قيامِكَ بأعمالٍ عدةٍ ظاهرةٍ للجميعِ قد تُصنِّفُكَ في عِدادِ الفاشلينَ.

إنَّ الإتقانَ مطلوبٌ حتى في الأمورِ التي لا يتوقفُ عليها نفعٌ أو ضررٌ للميتِ، فقد قالَ ﷺ: «إذا كفَّنَ أحدُكم أخاهُ فليحسِّنْ كفنَهُ» (مسلمٌ)، حتى في الدفنِ واللحدِ أُمرنا بالإتقانِ؛ ففي دفنِ أحدِ الصحابةِ جعلَ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: «سوُّوا لحدَ هذا» حتى ظنَّ الناسُ أنَّهُ سنةٌ، فالتفتَ إليهم، فقالَ: «أما إنَّ هذا لا ينفعُ الميتَ ولا يضرُّهُ، ولكنَّ اللهَ يحبُّ من العاملِ إذا عملَ أن يُحسنَ» (البيهقيُّ بسندٍ حسنٍ).

فانظروا – يرعاكمُ اللهُ – كيفَ أمرَ بالإتقانِ حتى في هذا الموضعِ الذي لا يضرُّ الميتَ فيهِ سقطَ عليهِ الترابُ أم لا؟ إذا ما ضرَّ الشاةَ سلخُها بعدَ ذبحِها! ولكنَّهُ التوجيهُ بالإتقانِ وتنميتِهِ لدى الضميرِ المسلمِ الواعي ليكونَ دافعًا قويًّا للدعوةِ إلى إحسانِ العملِ وإجادتِهِ أيًّا كانَ، فإذا كانَ هذا في القبرِ وحالِ الموتِ ففيما هو أكبرُ منها أولى وأجدرُ.

واعلمْ أنَّ الأجرَ عندَ اللهِ على قدرِ إتقانِ العملِ، فعن عمارِ بنِ ياسرٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ العبدَ ليصلِّي الصلاةَ ما يُكتبُ لهُ منها إلا عُشرُها، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نصفُها» (أحمدُ وأبو داودَ بسندٍ صحيحٍ).

والنصوصُ في هذا كثيرةٌ جدًا، ليس هذا محلَّ بسطِها، إذ يكفي بالقلادةِ ما أحاطَ بالعنقِ؛ فهلْ يعي المسلمونَ قيمةَ هذا المفهومِ في شريعتِهم؟! وهلْ يسعونَ بعدَ هذا الفهمِ إلى تفعيلِهِ في أوساطِهم، وبالأخصِّ الأوساطِ العلميةِ والعمليةِ التي تنطلقُ منها مجالاتُ العملِ وسوقُهُ من صناعاتٍ وإنجازاتٍ ومهاراتٍ؟!!

فالمسلمُ مطالبٌ بالإتقانِ في كلِّ عملٍ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ يقومُ بهِ المسلمُ بنيَّةِ العبادةِ هو عملٌ مقبولٌ عندَ اللهِ يُجازى عليهِ، سواءٌ كانَ عملَ دنيا أم آخرةٍ؛ وكونُنا مسلمينَ فنحنُ مطالبونَ بالإتقانِ في كلِّ عملٍ تعبديٍّ أو سلوكيٍّ أو حياتيٍّ، قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162).

ثانيًا: إتقانُ العملِ بينَ الواقعِ والمأمولِ.

إنَّ هناكَ انفصامًا وانفصالًا كبيرًا بينَ الواقعِ والمأمولِ في إتقانِ العملِ؛ فتجدُ أنَّ الفردَ يعملُ بجدٍّ وإخلاصٍ وجودةٍ وإتقانٍ إذا كانَ يعملُ لنفسِهِ؛ أمَّا إذا كانَ يعملُ في شركةٍ أو وظيفةٍ أو مؤسسةٍ أو وزارةٍ فإنَّهُ لا يُبالي بعملِهِ، وإنْ شغلَهُ الشاغلُ التوقيعُ في دفترِ الحضورِ والانصرافِ (شاهدِ الزورِ)؛ ولا يهمُّهُ بعدَ ذلكَ جودةٌ أو خدمةٌ أو إتقانٌ أو قيامُ مجتمعٍ أو سقوطُهُ أو مراقبةٌ أو غيرُ ذلكَ. وأسوقُ لكم قصةً واقعيةً تدلُّ على ذلكَ:

يُروى أنَّ هناكَ رجلًا بنَّاءً يعملُ في إحدى الشركاتِ لسنواتٍ طويلةٍ؛ فبلغَ بهِ العمرُ أن أرادَ أن يُقدِّمَ استقالتَهُ ليتفرغَ لعائلتِهِ؛ فقالَ لهُ رئيسُهُ: سوفُ أقبلُ استقالتَكَ بشرطٍ أن تبنيَ منزلًا أخيرًا؛ فقبلَ رجلُ البناءِ العرضَ، وأسرعَ في تخليصِ المنزلِ دونَ تركيزٍ وإتقانٍ، ثم سلَّمَ مفاتيحَهُ لرئيسِهِ؛ فابتسمَ رئيسُهُ وقالَ لهُ: هذا المنزلُ هديةٌ مني لكَ بمناسبةِ نهايةِ خدمتِكَ للشركةِ طولَ السنواتِ الماضيةِ؛ فصُدِمَ رجلُ البناءِ، وندمَ بشدةٍ أنَّهُ لم يُتقنْ بناءَ منزلِ العمرِ.

أقولُ: لماذا ترضى للآخرينَ ما لا ترضاهُ لنفسِكَ؟! لماذا تهتمُّ بعملِكَ الخاصِّ ونفعُهُ خاصٌّ غيرُ متعدٍّ، ولا تهتمُّ بأعمالِ الآخرينَ والوظائفِ العامةِ ونفعُها يعمُّ الآخرينَ؟!

فراقبوا ربَّكم في أعمالِكم؛ راقبوا اللهَ في وظائفِكم؛ راقبوا اللهَ في تجارتِكم وزراعتِكم وصناعتِكم؛ إنَّكم إنْ فعلتم ذلكَ عاشَ الجميعُ في سعادةٍ ورخاءٍ؛ وإلا عمَّ القحطُ والجدبُ والفقرُ البلادَ والعبادَ. وإليكم هذه القصةَ في هذا المضمونِ:

يُحكى أنَّهُ حدثتْ مجاعةٌ بقريةٍ؛ فطلبَ الوالي من أهلِ القريةِ طلبًا غريبًا كمحاولةٍ منهُ لمواجهةِ خطرِ القحطِ والجوعِ؛ وأخبرهم بأنَّهُ سيضعُ قدرًا كبيرًا في وسطِ القريةِ؛ وأنَّ على كلِّ رجلٍ وامرأةٍ أن يضعَ في القدرِ كوبًا من اللبنِ بشرطِ أن يضعَ كلُّ واحدٍ الكوبَ متخفيًا دونَ أن يُشاهدهُ أحدٌ؛ فهرعَ الناسُ لتلبيةِ طلبِ الوالي؛ فكلٌّ منهم تخفَّى بالليلِ وسكبَ الكوبَ الذي يخصُّهُ؛ وفي الصباحِ فتحَ الوالي القدرَ… وماذا شاهدَ؟! شاهدَ القدرَ وقد امتلأ بالماءِ!! أينَ اللبنُ؟! ولماذا وضعَ كلُّ واحدٍ من الرعيةِ الماءَ بدلًا من اللبنِ؟!

الإجابةُ: أنَّ كلَّ واحدٍ من الرعيةِ قالَ في نفسِهِ: “إنَّ وضعي لكوبٍ واحدٍ من الماءِ لن يُؤثِّرَ على كميةِ اللبنِ الكبيرةِ التي سيضعُها أهلُ القريةِ”، وكلٌّ منهم اعتمدَ على غيرِهِ، وكلٌّ منهم فكَّرَ بالطريقةِ نفسِها التي فكَّرَ بها أخوهُ، وظنَّ أنَّهُ هو الوحيدُ الذي سكبَ ماءً بدلًا من اللبنِ، والنتيجةُ التي حدثتْ: أنَّ الجوعَ عمَّ هذهِ القريةَ، وماتَ الكثيرونَ منهم، ولم يجدوا ما يُعينُهم وقتَ الأزماتِ.

هلْ تُصدِّقُ أنَّكَ تملأُ الأكوابَ بالماءِ في أشدِّ الأوقاتِ التي نحتاجُ منك أن تملأَها باللبنِ؟! عندما لا تُتقنُ عملَكَ بحجةِ أنَّهُ لن يظهرَ وسطَ الأعمالِ الكثيرةِ التي سيقومُ بها غيرُكَ من الناسِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تملكُ العلمَ وتبخلُ بهِ عن الآخرينَ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تبيعُ للناسِ الوهمَ والخزعبلاتِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تُطلقُ على نفسِكَ الألقابَ المزيَّفةَ بدونِ حقٍّ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تُعلِّمُ الآخرينَ فضائلَ أنتَ لا تملكُها ولا تعملُ بها فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تعمدُ لزرعِ الفتنِ وسطَ المجتمعِ من أجلِ مصالحِكَ الشخصيةِ

فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تسفكُ دماءَ الأبرياءِ بغيرِ حقٍّ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تهدمُ الكفاءاتِ والقدراتِ وتضعُ الحُسالى والكسالى في مناصبِ القيادةِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! إنَّنا في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى إتقانِ العملِ، وخاصةً في عصرٍ ضاعتْ فيهِ القيمُ، واختلطَ الحابلُ بالنابلِ، وضاعتِ الثقةُ بينَ الناسِ، والعاملُ لا يهمُّهُ إلا جمعُ المادةِ وتعدادُ ساعاتِ العملِ دونَ النظرِ إلى جودةٍ أو إتقانٍ.

إنَّنا يجبُ أن نغرسَ في نفوسِ أبنائِنا خُلُقَ مراقبةِ اللهِ في جميعِ أحوالِنا وأعمالِنا وحركتِنا وسكونِنا؛ قالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ: كنتُ وأنا ابنُ ثلاثِ سنينَ أقومُ بالليلِ فأنظرُ إلى صلاةِ خالي محمدِ بنِ سواءٍ، فقالَ لي يومًا: ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقَكَ؟ فقلتُ: كيفَ أذكرُهُ؟ قالَ: قلْ بقلبِكَ عندَ تقلُّبِكَ في ثيابِكَ ثلاثَ مراتٍ من غيرِ أن تُحرِّكَ بهِ لسانَكَ: اللهُ معي، اللهُ ناظرٌ إليَّ، اللهُ شاهدي، فقلتُ ذلكَ لياليَ ثم أعلمتُهُ، فقالَ: قلْ في كلِّ ليلةٍ سبعَ مراتٍ، فقلتُ ذلكَ ثم أعلمتُهُ، فقالَ: قلْ ذلكَ كلَّ ليلةٍ إحدى عشرةَ مرةً، فقلتُهُ، فوقعَ في قلبي حلاوتُهُ، فلما كانَ بعدَ سنةٍ قالَ لي خالي: احفظْ ما علَّمتُكَ ودمْ عليهِ إلى أن تدخلَ القبرَ فإنَّهُ ينفعُكَ في الدنيا والآخرةِ، فلم أزلْ على ذلكَ سنينَ فوجدتُ لذلكَ حلاوةً في سرِّي، ثم قالَ لي خالي يومًا: يا سهلُ، من كانَ اللهُ معهُ وناظرًا إليهِ وشاهدَهُ أيعصيهِ؟! (إحياءُ علومِ الدينِ).

أبدًا لا يعصيهِ ولا يُقصِّرُ في عملِهِ، بل يُحسِنُهُ ويُجوِّدُهُ ويُتقنُهُ.

بث مباشر خطبة الجمعة اليوم

قد ضربَ لنا المربِّي العظيمُ ﷺ مثلًا عمليًّا في التدريبِ العمليِّ للأبناءِ على إتقانِ العملِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ بغلامٍ يسلخُ شاةً، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: «تنحَّ حتى أُريكَ»، فأدخلَ رسولُ اللهِ ﷺ يدَهُ بينَ الجلدِ واللحمِ، فدحسَ بها حتى توارتْ إلى الإبطِ، وقالَ: «يا غلامُ هكذا فاسلخْ»، ثم مضى وصلَّى للناسِ، ولم يتوضأْ (ابنُ ماجهَ وأبو داودَ وابنُ حبانَ بسندٍ قويٍّ). فلم يستنكفْ ولم يستكبرْ رسولُ اللهِ ﷺ أن يقفَ مع الغلامِ ويساعدَهُ في عملِهِ، ويسهِّلَ لهُ ما شقَّ عليهِ، ويعلِّمَهُ ما خفيَ عليهِ من إتقانِ السلخِ، إنَّها يقظةُ المعلِّمِ وإحساسُ المربِّي بمسؤوليةِ الإرشادِ والتقويمِ الدائمِ المباشرِ في كلِّ وقتٍ وعملٍ.

فما أجملَ أن يتخلَّقَ المجتمعُ بهذا الخلقِ القويمِ النبيلِ: خُلُقِ إتقانِ العملِ وجودتِهِ، حتى يتحققَ الأمنُ والرخاءُ والسلامُ والمودةُ، وتزدادَ الثقةُ والروابطُ الاجتماعيةُ بينَ أفرادِ المجتمعِ، وخاصةً في السلوكِ الاقتصاديِّ.

ثالثًا: الاحتيالُ الماليُّ ومشكلةُ: “المستريحِ” (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

هناكَ ظاهرةٌ منتشرةٌ في هذهِ الأيامِ ألا وهي ظاهرةُ: الاحتيالِ الماليِّ ومشكلةُ: “المستريحِ”، وهي ظاهرةٌ اجتماعيةٌ سيئةٌ لها عواقبُ وخيمةٌ وأضرارٌ جسيمةٌ، وصورتُها: أن يقومَ هذا النمطُ من الاحتيالِ على إغراءِ الناسِ بعوائدَ ماليةٍ مرتفعةٍ مقابلَ تسليمِ مدخراتِهم لأشخاصٍ يزعمونَ تشغيلَها في أنشطةٍ استثماريةٍ وهميةٍ أو غيرِ واضحةِ المعالمِ، وقد ترتبَ على بروزِ هذهِ المشكلةِ ضياعُ أموالِ آلافِ الأسرِ، وتعرُّضُ الكثيرينَ لحالاتِ إفلاسٍ نفسيٍّ وماديٍّ، وارتكابُ بعضِهم لسلوكياتٍ شخصيةٍ ضارةٍ نتيجةَ الخسارةِ.

ولا شكَّ أنَّ ذلكَ من أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ بجميعِ صورِ التحايلِ: سواءٌ بالنصبِ أو الغصبِ أو الغلبةِ والقوةِ، أو عن طريقِ القضاءِ في المحاكمِ بشهادةٍ مزورةٍ أو خلافِهِ، قالَ تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (النساء: 29)، وقالَ: { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة: 188). فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: هذا في الرجلِ يكونُ عليهِ مالٌ وليسَ عليهِ فيهِ بيِّنةٌ فيجحدُ المالَ ويخاصمُهم إلى الحكامِ، وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليهِ، وقد علمَ أنَّهُ آثمٌ آكلٌ حرامٌ (الدرُّ المنثورُ). وقالَ قتادةُ: اعلمْ يا ابنَ آدمَ أنَّ قضاءَ القاضي لا يُحلُّ لكَ حرامًا، ولا يُحقُّ لكَ باطلًا، وإنَّما يقضي القاضي بنحوِ ما يرى وتشهدُ بهِ الشهودُ، والقاضي بشرٌ يخطئُ ويصيبُ، واعلموا أنَّ من قُضيَ لهُ بباطلٍ أنَّ خصومتَهُ لم تنقضِ حتى يجمعَ اللهُ بينهما يومَ القيامةِ فيقضي على المبطلِ للمحقِّ بأجودَ ممَّا قُضيَ بهِ للمبطلِ على المحقِّ في الدنيا (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ).

إنَّ هذا “المستريحَ” أخذَ هذا المالَ بنيةِ عدمِ ردِّهِ، لذلكَ كانَ فيهِ هلاكُهُ وإتلافُهُ، فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: «من أخذَ أموالَ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنهُ، ومن أخذَ يريدُ إتلافَها أتلفَهُ اللهُ» (البخاريُّ). قالَ ابنُ بطالٍ: (معناهُ الحضُّ على تركِ استئكالِ أموالِ الناسِ والتنزهِ عنها، وحسنِ التأديةِ إليهم عندَ المداينةِ، وقد حرَّمَ اللهُ في كتابِهِ أكلَ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وفيهِ أنَّ الثوابَ قد يكونُ من جنسِ الحسنةِ، وأنَّ العقوبةَ قد تكونُ من جنسِ الذنبِ؛ لأنَّهُ جعلَ مكانَ أداءِ الإنسانِ أداءَ اللهِ عنهُ، ومكانَ إتلافِهِ إتلافَ اللهِ لهُ) (شرحُ ابنِ بطالٍ على البخاريِّ).

بل إنَّ الجنَّةَ مُحرَّمةٌ عليهِ، والنارَ سبيلُهُ؛ فعن محمدِ بنِ جحشٍ قالَ: كنَّا يومًا جلوسًا في موضعِ الجنائزِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فرفعَ رأسَهُ إلى السماءِ، ثم وضعَ راحتَهُ على جبهتِهِ، فقالَ: «سبحانَ اللهِ، ماذا نزلَ من التشديدِ»، فسكتنا وفزعنا، فلما كانَ الغدُ سألتُهُ: ما هذا التشديدُ الذي نزلَ؟ قالَ: «في الدَّيْنِ، والذي نفسي بيدِهِ لو أنَّ رجلًا قُتلَ في سبيلِ اللهِ، ثم أُحييَ، ثم قُتلَ، ثم أُحييَ، ثم قُتلَ، وعليهِ دينٌ، ما دخلَ الجنَّةَ حتى يُقضى دينُهُ» (النسائيُّ والطبرانيُّ والحاكمُ وصححهُ ووافقهُ الذهبيُّ). وعن خولةَ الأنصاريةِ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «إنَّ رجالًا يتخوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، فلهمُ النارُ يومَ القيامةِ» (البخاريُّ). ومعنى: (يتخوَّضونَ): من الخوضِ، وهو المشيُ في الماءِ وتحريكُهُ، والمرادُ هنا: التخليطُ في المالِ وتحصيلُهُ من غيرِ وجهِهِ كيفما أمكنَ (تعليقُ مصطفى البغا على البخاريِّ).

فعليكم أن تأخذوا حذرَكم من هذهِ الفئاتِ المحتالةِ الضالَّةِ، وتحرَّوا بكلِّ السبلِ والطرقِ وسائلَ الكسبِ الحلالِ، مبتعدينَ عن الشبهاتِ والحرامِ، وعن الوعودِ الكاذبةِ الخادعةِ، واعلموا أنَّكم مسؤولونَ عن أموالِكم أمامَ اللهِ، فماذا أنتم قائلونَ؟!

نسألُ اللهَ الرزق الحلال وأن يبارك لنا فيه، وأنْ يحفظَ مصرَنا من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ".

اقرأ ايضا: 

موعد صلاة الجمعة اليوم في مصر

بث مباشر صلاة الجمعة اليوم 24 أبريل 2026، "الأرض المباركة"

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق ( الأيام نيوز) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا

موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيام TV، حوادث، خدمات مثل سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات ، جميع الدوريات

موضوعات متعلقة

تم نسخ الرابط