د. محمد إبراهيم البحيري يكتب: التدخين.. آفة الأبدان ومهلكة الأموال
إن من أعظم ما ابتُلي به الناس في هذا الزمان تلك الآفة التي استحكم ضررها في الأبدان والقلوب، آفة التدخين، وهي عادة خبيثة لا يجتمع معها عقل راجح ولا طبع سليم، لما فيها من إتلاف الصحة، وإهدار المال، وإعياء النفس، وإيراث الأسقام والأدواء.
وقد أجمع الأطباء قديما وحديثا على أن له آثارا وخيمة على الجسد؛ إذ يضعف القلب، ويؤذي الرئتين، ويجلب أمراضا مهلكة، ويورث ضيق التنفس، ويفتح أبواب العلل التي قد يعجز الطب عن دفعها، وقد أُمرنا ألا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، وألا نهلكها، إن الله كان بنا رحيما.
والتدخين ليس ضرره مقصورا على فاعله، بل يتعداه إلى من خالطه وجالسه، فينالهم من أذاه ما ينال، وهو مع ذلك إضاعة للمال في غير طائل، وإنفاق في غير نفع، والمال نعمة يُسأل العبد عنها يوم القيامة، كما يُسأل عن صحته وعمره.
ولقد جعل الله تعالى في الزمان مواسم للطاعات، ومواطن للنفحات، يرتقي فيها العبد من دركات العادات إلى معارج الطاعات، كرمضان المبارك، وأوقات السحر، وعشر ذي الحجة، فهذه الأوقات المباركة باب عظيم لتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وكسر سلطان الشهوات.
فمن أراد الإقلاع عن هذه الآفة، فليجعل تلك المواسم بداية لصدق العزيمة، وليستعن بالله تعالى، وليعلم أن النفس إذا صدقت مع ربها أعانها الله على ما تعجز عنه قواها.
ومن وسائل الإعانة على ذلك: تجديد التوبة، وإخلاص النية لله تعالى، والإكثار من الذكر والدعاء، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وشغل الأوقات بالطاعات والقرآن ومجالسة الصالحين، ومجانبة رفقاء السوء، فالمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، وحمل النفس على التدرج حتى تنفك من أسر هذه العادة.
إن نعمة الصحة إكليل تتزين به رؤوس الأصحاء، فلنحرص عليها أشد الحرص كما أمرنا البارئ، فإن الإقلاع عن التدخين جهاد للنفس، ومجاهدة الهوى من أجل القربات، والعبد إذا ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه في دينه ودنياه.
وما هذه المواسم المباركة إلا نفحات ربانية، من وفقه الله لاغتنامها فقد فاز، ومن أضاعها فقد خسر، والعاقل من اغتنمها ليجدد عهده مع الله، ويبدأ صفحة بيضاء خالية من الدخان والدَّرن.