ادريس حميد يكتب: الذاكرة اللبنانية بين الاحتلال والمقاومة
يعود الجدل في لبنان اليوم حول العلاقة مع إسرائيل، ومستقبل سلاح المقاومة، والاتفاقات الأمنية والسياسية، في ظل لحظة إقليمية شديدة التعقيد. غير أن هذه الملفات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التاريخ اللبناني الممتد من الحرب الأهلية إلى الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وصولًا إلى التحولات الكبرى في موازين القوى الإقليمية خلال العقود الماضية.
لقد شكّل جنوب لبنان خلال سنوات طويلة ساحة للاحتلال الإسرائيلي وما رافقه من مواجهات عسكرية وانقسامات داخلية ووجود قوى محلية تعاونت مع إسرائيل في تلك المرحلة. هذا الواقع التاريخي كان أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في نشوء المقاومة المسلحة باعتبارها، لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، ردًا على عجز الدولة في تلك المرحلة عن حماية أراضيها.
الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 ومعادلة الانتصار
يُعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 محطة مفصلية في تاريخ الصراع اللبناني–الإسرائيلي، إذ جاء نتيجة سنوات من المواجهة العسكرية وضغط المقاومة في الجنوب، الأمر الذي جعل استمرار الاحتلال مكلفًا لإسرائيل سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا. وقد شكّل هذا الحدث في الوعي الوطني انتصارًا واسعًا، ورُحب به باعتباره إنهاءً لمرحلة طويلة من الاحتلال والمعاناة في الجنوب، رغم استمرار التباين في تفسير أسبابه وتداعياته السياسية.
حرب 2006 وإعادة طرح معادلة الردع
لاحقًا، جاءت حرب 2006 لتعيد تثبيت معادلة الردع الهش بين لبنان وإسرائيل، وتفتح مجددًا النقاش حول طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية وسلاح المقاومة في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
أزمة الدولة والسلاح: سؤال السيادة غير المكتملة
يبقى السؤال المركزي في لبنان قائمًا: كيف يمكن بناء دولة قوية تحتكر قرار الحرب والسلم، وفي الوقت نفسه تحمي سيادتها في بيئة إقليمية مضطربة؟
يرى فريق أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يشكل عائقًا أمام بناء المؤسسات وتعزيز السيادة، بينما يرى فريق آخر أن هذا السلاح نشأ في سياق مواجهة الاحتلال وتهديدات مستمرة، وأن غياب القدرة الدفاعية الكاملة للدولة هو ما جعل هذا الواقع قائمًا حتى اليوم. وبين الرأيين تبقى الأزمة مرتبطة بضعف الدولة وعدم اكتمال مشروعها السيادي.
الاتفاقات مع إسرائيل: الجدل حول الضمانات والتوازن
في إطار تقييم الاتفاقات المطروحة، يرى بعض المراقبين أن الأولوية في هذه الترتيبات تميل نحو تحقيق متطلبات الأمن الإسرائيلي، وفي مقدمتها ملف سلاح المقاومة. ومن هذا المنظور، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمعزل عن وجود ضمانات واضحة، وإرادة سياسية لبنانية جامعة، وتوافق وطني داخلي، بعيدًا عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية.
ويستند هذا الطرح إلى قراءة تشكك في مدى التزام إسرائيل التاريخي ببعض التعهدات، خصوصًا في ما يتعلق بالانسحابات أو الترتيبات الأمنية، ما يثير مخاوف من أن اختلال التوازن قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر بدل إنهائه.
وفي المقابل، يرى آخرون أن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطًا بآليات تنفيذ واضحة ورقابة دولية فعّالة تضمن الالتزام المتبادل وتمنع تأويل البنود أو تعطيلها.
التدخلات الخارجية وحدود القرار اللبناني
لبنان تاريخيًا كان ساحة لتداخلات إقليمية ودولية متعددة، لذلك فإن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على اصطفاف خارجي، بل على سياسة وطنية مستقلة تقوم على المصلحة اللبنانية والتوازن في العلاقات مع مختلف الأطراف.
وفي المقابل، فإن أي تعامل مع القوى الخارجية يجب أن يتم من موقع الدولة، لا من موقع الانقسام الداخلي أو التبعية لأي محور.
الانقسام الداخلي وخطر ثقافة الغالب والمغلوب
يمثل النظام الطائفي وثقافة الغالب والمغلوب أحد أبرز العوائق أمام بناء دولة المواطنة في لبنان. ورغم صعوبة تجاوزه، إلا أن الحاجة ملحة للانتقال التدريجي نحو ثقافة سياسية تقوم على البرامج والمصالح الوطنية بدل الهويات الطائفية.
كما تُظهر التجربة اللبنانية، خصوصًا خلال الحرب الأهلية، أن الانقسام الداخلي والاستقواء بالخارج يؤديان إلى نتائج كارثية على الدولة والمجتمع.
نحو تسوية لبنانية داخلية لإدارة الخلاف
في حال توصل اللبنانيون إلى صيغة توافقية حول مبدأ أن يكون القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، فإن معالجة ملف سلاح المقاومة يجب أن تبقى ضمن إطار العملية السياسية الداخلية، لا أن تتحول إلى أداة إقصاء أو مغالبة طرف على آخر.
فالمطلوب أن يبقى الخلاف حول هذا الملف خلافًا سياسيًا داخل المؤسسات، لا أن يتوسع ليهدد السلم الاجتماعي أو يتحول إلى صراع وجودي بين المكونات اللبنانية.
الواقعية السياسية والاعتراف المتبادل
وفي المقابل، فإن الأطراف المعارضة لسلاح حزب الله مطالبة أيضًا بالتعامل مع هذا الملف بقدر أكبر من الواقعية السياسية، بحيث لا يتحول رفض السلاح إلى مدخل لإقصاء طرف لبناني أو التشكيك في وجود مكوّن أساسي من مكونات المجتمع اللبناني.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب إنتاج قيادات سياسية جديدة قادرة على إدارة هذا الانتقال الصعب من منطق الصراع إلى منطق الدولة. وفي هذا السياق يبقى الاعتراف بالدور الذي لعبته المقاومة في مراحل تاريخية سابقة جزءًا من الذاكرة السياسية اللبنانية، حتى مع استمرار الاختلاف حول مستقبل هذا الدور.
خاتمة: لبنان الممكن
إن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى على انتصار فريق على آخر، بل على توافق وطني شامل يعيد الاعتبار للدولة ويحصن السلم الأهلي. فلبنان، بتاريخه وتجربته، أثبت أن قوته الحقيقية تكمن في وحدته، وأن طريق الاستقرار يمر عبر دولة عادلة وقادرة تتجاوز الانقسام الطائفي وتمنع تكرار أزمات الماضي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام اللبنانيين هو تحويل الخلاف السياسي إلى مساحة إدارة ديمقراطية داخل الدولة، لا إلى سبب لانقسام المجتمع، بحيث يبقى الهدف الجامع هو حماية لبنان وصون سيادته وبناء دولة لجميع أبنائه.