الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

بث مباشر لصلاة الجمعة اليوم 8 مايو 2026.. التَّرَاحُمُ فِي الإِسْلَامِ

صلاة الجمعة
صلاة الجمعة

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم 8 مايو 2026 ويوافق هجريا 20 ذو القعدة 1447 هـ حيث يأتي بعنوان " التَّرَاحُمُ فِي الإِسْلَامِ"، وفي السطور تالية نستعرض لكم النص. 

بث مباشر لصلاة الجمعة اليوم 8 مايو 2026 

تذاع شعائر صلاة الجمعة من مسجد الرحمة بمدينة رأس البر بدمياط
 

نص خطبة الجمعة اليوم 8 مايو 2026 

ويأتي " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ،،،

(1) رَحْمَةُ الرَّسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

الرَّحْمَةُ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

صلاة الجمعة

رَحْمَةُ الرَّسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَحْمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ قَاصِرَةً عَلَى مَنْ عَاصَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْغُولًا دَائِمًا بِأُمَّتِهِ جَمِيعًا ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

(2) صُوَرٌ مِنَ التَّرَاحُمِ فِي الإِسْلَامِ:

أوَّلًا: وُجُوبُ التَّرَاحُمِ خَاصَّةً وَقْتَ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ: إِنَّهُ تَرَاحُمٌ عَامٌّ شَامِلٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا؛ فَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النِّسَاءِ: 1] وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الْحَشْرِ: 18] «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ – حَتَّى قَالَ – وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

ثَانِيًا: التَّرَاحُمُ بِالْأَطْفَالِ: اسْتَنْبَطَ الْعُلَمَاءُ قَاعِدَةً عَظِيمَةً أَلَا وَهِيَ: «مَعَ الْأَطْفَالِ تَجْمُدُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ»؛ رَحْمَةً بِهِمْ؛ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا «أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

يَقُولُ ابْنُ بَطَّالٍ: (رَحْمَةُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَمُعَانَقَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالرِّفْقُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَرْضَاهَا اللَّهُ وَيُجَازَى عَلَيْهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»؛ فَدَلَّ أَنَّ تَقْبِيلَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَحَمْلَهُ وَالتَّحَفِّيَ بِهِ مِمَّا يُسْتَحَقُّ بِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، أَلَا تَرَى حَمْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَامَةَ ابْنَةَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلُزُومِ الْخُشُوعِ فِيهَا، وَلِلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ لَهَا مِمَّا يُضَادُّ الْخُشُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهَا، وَكَرِهَ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَحْمِلْهَا فِي الصَّلَاةِ، وَفِي فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ أَعْظَمُ الْأُسْوَةِ لَنَا؛ فَيَنْبَغِي الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي رَحْمَتِهِ صِغَارَ الْوَلَدِ وَكِبَارَهُمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَيَجُوزُ تَقْبِيلُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ) أ.ه. [شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِي لِابْنِ بَطَّالٍ].

ثَالِثًا: التَّرَاحُمُ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

يَقُولُ ابْنُ بَطَّالٍ: (فِيهِ الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالِ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَمَكَارِمِهَا، وَتَرْكِ الْمُشَاحَّةِ وَالرِّقَّةِ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى وُجُودِ الْبَرَكَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَحُضُّ أُمَّتَهُ إِلَّا عَلَى مَا فِيهِ النَّفْعُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَمَّا فَضْلُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ دَعَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ تَنَالَهُ بَرَكَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلْيَقْتَدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَعْمَلْ بِهِ) أ.ه. [شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِي لِابْنِ بَطَّالٍ].

عَنْ عَطَاءٍ بْنِ فَرُّوخٍ «أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَلُومُنِي، قَالَ: أَوَ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

وَلِذَا تَوَعَّدَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسُوا الْآخِرَةَ، وَرَاحُوا يَكْنِزُونَ الْمَالَ وَلَمْ يَرْحَمُوا الْخَلْقَ؛ فَعَنْ رِفَاعَةَ «أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].

(3) انْعِدَامُ التَّرَاحُمِ فِيهِ شَقَاءٌ لِلْمُجْتَمَعَاتِ:

الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ»، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» [رَوَاهُ مُسْلِم].

ارْحَمِ الضُّعَفَاءَ، وَتَسَامَحْ مَعَ أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ لَعَلَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْكَ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمَحْ، يُسْمَحْ لَكَ» [رَوَاهُ أَحْمَد].

قَالَ الْمَنَاوِيُّ: (أَيْ: عَامِلِ الْخَلْقَ الَّذِينَ هُمْ عِيَالُ اللَّهِ، وَعِبَادُهُ بِالْمُسَاهَلَةِ، يُعَامِلْكَ سَيِّدُهُمْ بِمِثْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: “أَحْسِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ”، وَهَذَا مِنَ الْإِحْسَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُعَامَلَاتِ، وَهُوَ مِنْ سَخَاوَةِ الطَّبْعِ، وَحِقَارَةِ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ مِنْ طَبْعِهِ، فَلْيَتَخَلَّقْ بِهِ؛ فَعَسَى أَنْ يَسْمَحَ لَهُ الْحَقُّ بِمَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَعَسُرَ عَلَيْهِ فِي الِانْقِيَادِ إِلَيْهِ فِي مُعَامَلَتِهِ إِذَا أَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمُحَاسَبَتِهِ) أ.ه. [فَيْضُ الْقَدِير].

قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: (وَالْإِحْسَانُ سَبَبُ الْفَوْزِ، وَنَيْلِ السَّعَادَةِ، وَهُوَ يَجْرِي مِنَ التِّجَارَةِ مَجْرَى الرِّبْحِ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْغُفَلَاءِ مَنْ قَنِعَ فِي مُعَامَلَاتِ الدُّنْيَا بِرَأْسِ مَالِهِ، فَكَذَا فِي مُعَامَلَاتِ الْآخِرَةِ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَدَيِّنِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْعَدْلِ، وَاجْتِنَابِ الظُّلْمِ، وَيَدَعَ أَبْوَابَ الْإِحْسَانِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]…، وَنَعْنِي بِالْإِحْسَانِ: فِعْلَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُعَامِلُ، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ تَفَضُّلٌ مِنْهُ، وَتُنَالُ رُتْبَةُ الْإِحْسَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ سِتَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا: السَّادِسُ: أَنْ يَقْصِدَ فِي مُعَامَلَتِهِ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ، وَهُوَ فِي الْحَالِ عَازِمٌ عَلَى أَنْ لَا يُطَالِبَهُمْ إِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُمْ مَيْسَرَةٌ، فَقَدْ كَانَ فِي صَالِحِي السَّلَفِ مَنْ لَهُ دَفْتَرَانِ لِلْحِسَابِ، أَحَدُهُمَا: تَرْجَمَتُهُ مَجْهُولَةٌ فِيهِ أَسْمَاءُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقِيرَ كَانَ يَرَى الطَّعَامَ أَوِ الْفَاكِهَةَ فَيَشْتَهِيهَا، فَيَقُولُ: أَحْتَاجُ إِلَى خَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِثْلًا مِنْ هَذَا، وَلَيْسَ مَعِي ثَمَنُهُ، فَكَانَ يَقُولُ: خُذْهُ وَاقْضِ ثَمَنَهُ عِنْدَ الْمَيْسَرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعُدُّ هَذَا مِنَ الْخِيَارِ، بَلْ عُدَّ مِنَ الْخِيَارِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُثْبِتُ اسْمَهُ فِي الدَّفْتَرِ أَصْلًا، وَلَا يَجْعَلُهُ دَيْنًا، لَكِنْ يَقُولُ: خُذْ مَا تُرِيدُ، فَإِنْ يُسِّرَ لَكَ فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَسَعَةٍ، فَهَذِهِ طُرُقُ تِجَارَاتِ السَّلَفِ، وَقَدِ انْدَرَسَتْ، وَالْقَائِمُ بِهَا مُحْيٍ لِهَذِهِ السُّنَّةِ، وَبِالْجُمْلَةِ التِّجَارَةُ مَحَكُّ الرِّجَالِ، وَبِهَا يُمْتَحَنُ دِينُ الرَّجُلِ وَوَرَعُهُ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ:

لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ الْمَرْءِ قَمِيصٌ رَقَّعَهُ … أَوْ إِزَارًا فَوْقَ كَعْبِ السَّاقِ مِنْهُ رَفَعَهُ) أ.ه.

أَوْ جَبِينٌ لَاحَ فِيهِ أَثَرٌ قَدْ قَلَعَهُ … وَلَدَى الدِّرْهَمِ فَانْظُرْ غَيَّهُ أَوْ وَرَعَهُ) أ.ه. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].

نَحْنُ بِحَاجَةٍ أَنْ نُرَبِّيَ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا عَلَى التَّرَاحُمِ، وَتَرْكِ الْأَنَانِيَّةِ، وَالْكَرَمِ وَالْبَذْلِ، وَنَفْعِ الْغَيْرِ؛ فَمُجْتَمَعٌ تَتَجَذَّرُ فِيهِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِيَّاتُ جَدِيرٌ أَنْ يَسُودَ بَيْنَ أَفْرَادِهِ التَّوَادُّ وَالتَّآلُفُ، وَالْمَحَبَّةُ وَالتَّعَاطُفُ؛

عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [رَوَاهُ مُسْلِم].

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رَوَاهُ مُسْلِم].

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آثَارَ فُقْدَانِ التَّرَاحُمِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ].

قَالَ الْإِمَامُ الطِّيبِيُّ: (لِأَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْخَلْقِ رِقَّةُ الْقَلْبِ، وَالرِّقَّةُ فِي الْقَلْبِ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ، فَمَنْ لَا رِقَّةَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ، وَمَنْ لَا إِيمَانَ لَهُ شَقِيٌّ، فَمَنْ لَا يُرْزَقُ الرِّقَّةَ شَقِيٌّ) [الْكَاشِفُ عَنْ حَقَائِقِ السُّنَنِ].

(4) إِخْرَاجُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا دَلِيلٌ تَطْبِيقِيٌّ لِلتَّرَاحُمِ:

الزَّكَاةُ مِنْ أَهَمِّ الرَّكَائِزِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ عَلَى صَقْلِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَالشُّعُوبِ، وَبِنَاءِ الدُّوَلِ وَالْأَوْطَانِ، وَلِذَا تَجِدُ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ دَائِمًا مَا يَقْرِنُهَا فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي عَشَرَاتِ الْمَوَاضِعِ كَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 3]، وَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ تَبَرُّعًا أَوْ تَفَضُّلًا مِنَ الْغَنِيِّ عَلَى الْفَقِيرِ أَوِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ، إِنَّمَا هِيَ حَقٌّ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ الْيَمَنَ مُعَلِّمًا وَمُوَجِّهًا: «فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

وَقَدْ تَوَعَّدَ الْإِسْلَامُ مَنْ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ أَوْ يَبْخَلُ عَلَى النَّاسِ بِصَدَقَتِهِ بِوَعِيدَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَادِّيٌّ: يَتَمَثَّلُ فِي مَحْقِ الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ مِنَ الْمَالِ وَالْعُمُرِ وَالْوَلَدِ وَالْأَهْلِ، أَمَّا مَنْ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ، وَيَبْذُلُ مَالَهُ عَلَى النَّاسِ، فَلَهُ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الْبَقَرَةِ: 274]، وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ].

وَثَانِيهِمَا: مَعْنَوِيٌّ يَتَجَسَّدُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آلِ عِمْرَانَ: 180].

وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تَتَأَكَّدُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141]. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

صلاة الجمعة

عِقَابُ مَنْ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ:

أَخْبَرَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِ مَانِعِ زَكَاتِهِ بِمَا يَجْعَلُ الْمُسْلِمَ يُسَارِعُ لِإِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ خَوْفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَهَرَبًا مِنْ أَنْ تَلْحَقَهُ لَعْنَةُ كَنْزِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ»، قَالَ: «وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِي].

وَفِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ رَأَى نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةً مُجَسَّدَةً لِأَثَرِ الْمُنْفِقِ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَانِعِ لَهُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَتَى عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ، وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ… ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ، وَعَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ، يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْأَنْعَامُ إِلَى الضَّرِيعِ وَالزَّقُّومِ وَرَضْفِ جَهَنَّمَ، قَالَ: مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ].

وَبَيَّنَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ الْمُجْتَمَعِ عِنْدَمَا يُمْنَعُ حَقُّ الْمَالِ وَالزَّكَاةِ؛ فَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ]، فَالْإِسْلَامُ لَا يُرِيدُ مِنْ أَتْبَاعِهِ أَنْ يَعِيشُوا فِي دَائِرَةٍ مُنْغَلِقَةٍ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُتَغَافِلِينَ وَاجِبَهُمْ تُجَاهَ الْآخَرِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَلِذَا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُعَرَّضٌ لِسَخَطِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَاسْتَمِعْ إِلَى هَذَا الْمَشْهَدِ الْقُرْآنِيِّ – الَّذِي يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا – حَيْثُ جَاءَ عَلَى لِسَانِ الْمُتَّقِينَ – عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَالتَّحْسِيرِ لِهَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ – {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [الْمُدَّثِّرِ: 42 – 44]، فَهَا هُمْ قَدِ اعْتَرَفُوا وَأَقَرُّوا بِأَنَّ الْإِلْقَاءَ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ عَدَمِ إِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَتَرْكِ كِسْوَتِهِ، وَرِعَايَةِ حَالِهِ، بَلْ يَزِيدُ اللَّهُ الْأَمْرَ إِيضَاحًا فَيَجْعَلُ فِي رَقَبَةِ كُلِّ مُوَحِّدٍ بِهِ حَقًّا لِلْمِسْكِينِ أَنْ يَحُضَّ غَيْرَهُ عَلَى إِطْعَامِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ، وَيَجْعَلُ تَرْكَ هَذَا الْحَضِّ مِنْ لَوَازِمِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الْوَعِيدِ {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الْمَاعُونِ: 1 – 3].

تَفْعِيلُ دَوْرِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ يُحَقِّقُ التَّكَافُلَ الِاجْتِمَاعِيَّ، وَيَقْضِي عَلَى الرَّذَائِلِ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ إِذْ يَشْعُرُ كُلُّ فَرْدٍ أَنَّ لَهُ حُقُوقًا وَعَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ، فَيَنْشَأُ الْأَمْنُ وَالرَّخَاءُ، وَيَحِلُّ التَّرَاحُمُ وَالتَّعَاطُفُ، وَيَحْيَا النَّاسُ حَيَاةً طَيِّبَةً؛ وَصَدَقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ، وَلَنْ يُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إِذَا جَاعُوا وَعَرَوْا إِلَّا بِمَا يُضَيِّعُ أَغْنِيَاؤُهُمْ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]، وَحِينَئِذٍ يَأْتِي الْعِقَابُ الْإِلَهِيُّ لِهَذَا الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ زَكَاتِهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خِصَالٌ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: … وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفَّقَ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

تابع موقع الأيام المصرية عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا

موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيامTV، حوادث، خدمات مثل سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات، جميع الدوريات

موضوعات متعلقة

تم نسخ الرابط