الايام المصرية
رئيس مجلس الإدارة
د. أحمد رضوان
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس مجلس الإدارة
د. أحمد رضوان
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
الايام المصرية

حينما تنظر الأم إلى طفلها وتنتظر منه أن ينطق بـ”ماما” للمرة الأولى، تكون تلك اللحظة أشبه بفتح نافذة جديدة على العالم.

لكن ماذا إن تأخر هذا الصوت؟ ماذا إن ظل الطفل صامتًا بينما أقرانه يثرثرون ويلعبون بالكلمات؟ إنها ليست مجرد لحظة قلق عابرة، بل قد تكون إشارة حقيقية لما يُعرف بتأخر اللغة.

تأخر اللغة عند الأطفال ليس مرضًا في حد ذاته، لكنه عرضٌ لمشكلة أعمق قد تكون نمائية أو بيئية أو حتى عصبية. فقد لا يعاني الطفل من أي إعاقة ظاهرة، ومع ذلك يتأخر في التعبير عن نفسه، أو في فهم ما يُقال له. 

وفي كثير من الحالات، يُلاحظ الأهل تأخرًا في نطق أولى الكلمات، أو ضعفًا في الحصيلة اللغوية، أو صعوبة في تركيب الجمل، وربما حتى الفشل في تنفيذ تعليمات بسيطة.

ينقسم هذا التأخر إلى ثلاثة أنواع رئيسية، لكل منها مؤشراته ودرجاته. 

هناك من يتأخر في التعبير مع فهم جيد نسبيًا، وهناك من يواجه صعوبة في الاستيعاب السمعي، وهناك من يعاني من ضعف مزدوج في الفهم والإنتاج معًا، وهو النوع الأكثر تعقيدًا.

ولا يمكن فصل الأسباب عن السياق العام لنمو الطفل.

إذ قد تكون الأسباب عضوية، كإصابات في الجهاز العصبي أو ضعف في السمع، أو بيئية نتيجة الفقر التفاعلي واعتماد الطفل على الشاشات بدلًا من الحوار. 

وهناك عوامل نفسية قد تلعب دورًا خفيًا مثل الإهمال العاطفي أو التوتر الأسري، كما ترتبط بعض الحالات باضطرابات نمائية مثل التوحد أو متلازمات وراثية معروفة.

تشير الدراسات الحديثة، مثل ما أورده “أوينز” في 2016، إلى أن البيئة الغنية باللغة، خاصة في أول ثلاث سنوات من عمر الطفل، تلعب الدور الأهم في بناء المهارات اللفظية. الفقر اللغوي، بالمقابل، قد يكون أرضًا خصبة لتأخر النمو اللغوي، حتى وإن كان الطفل سليمًا من الناحية الجسدية والعقلية.

 

العلامات التحذيرية قد تظهر مبكرًا: طفل لا ينطق كلمات بعد عام ونصف، أو لا يستطيع تكوين جملة بسيطة بعد سنتين ونصف، أو يستخدم الإشارات بدلًا من الكلام كل تلك إشارات تستدعي تدخّلًا سريعًا. 

فالصمت في هذه الحالات ليس هدوءًا طبيعيًا، بل ربما يكون نداءً خافتًا للمساعدة.

لكنّ الأمل كبير، والفرصة ما زالت قائمة.

فكلما كان التدخل مبكرًا، زادت فرص التحسّن وتُظهر النتائج أن برامج التأهيل، حين تشمل جلسات التخاطب المنتظمة، وتدريب الأسرة على التفاعل الصحيح، وتعديل البيئة المحيطة، وتعاون فريق مختص متعدد التخصصات، تحقق نتائج ملموسة في تحسين المهارات اللغوية حتى لدى الأطفال الذين كانت بدايتهم صعبة.

إن الصوت الذي تأخر في الظهور يمكن أن يعود والكلمة التي لم تُنطق بعد، قد تحمل في داخلها عالمًا كاملًا ينتظر أن يُكتشف، فقط حين يُمنح الطفل ما يستحق من الرعاية، الفهم، والاحتواء.

تم نسخ الرابط