إدريس حميد يكتب: الحرب الأمريكية على إيران.. بين استمرار التصعيد وغموض المآلات
تستمر الحرب الأمريكية على إيران وسط تطورات متسارعة تجعل من الصعب تحديد اتجاهها النهائي، فبعد أيام من المواجهات العسكرية، لم يتمكن أي طرف من فرض معادلة حاسمة، بينما تتواصل الضربات والردود، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
ومع دخول المواجهة مرحلة جديدة، يبرز سؤال أساسي: هل نحن أمام حرب طويلة تستهدف إنهاك إيران، أم أن الأطراف باتت تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه للجميع؟
التصعيد العسكري.. قوة النار وحدود الحسم
رغم استمرار العمليات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، فإن النتائج السياسية والعسكرية لا تزال غير واضحة. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي سريع.
في المقابل، تواصل إيران الرد، معتمدة على قدراتها الصاروخية وأوراقها الإقليمية، في محاولة لإظهار قدرتها على الصمود ورفع كلفة الحرب على خصومها.
وهنا تكمن معضلة الحرب: فالضربات قد تؤثر على القدرات العسكرية، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير المعادلة السياسية أو إنهاء الصراع.
التفاوض والوساطات.. هل هي بداية نهاية الحرب؟
رغم استمرار التصعيد، لم تغلق قنوات التواصل السياسي، إذ تتحرك أطراف إقليمية ودولية لمحاولة فتح مسار تفاوضي يمنع توسع الحرب.
لكن المشكلة أن الفجوة بين الطرفين ما تزال كبيرة؛ فالولايات المتحدة تريد ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، بينما ترى إيران أن أي تفاوض تحت الضغط العسكري يمثل تهديدًا لمصالحها وسيادتها.
ولهذا تبقى الوساطات قائمة، لكنها تواجه اختبارًا صعبًا بين منطق الحرب ومنطق التسوية.
إيران وإسرائيل.. حسابات مختلفة
تسعى إسرائيل إلى استمرار الضغط على إيران باعتبارها الخصم الاستراتيجي الأكبر، لكنها تواجه تحديات داخلية وسياسية، خصوصًا مع تأثير الحرب على الوضع الأمني والاقتصادي والاستحقاقات السياسية.
ومن هنا فإن زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ستكون محطة مهمة لمعرفة مستقبل الدور الإسرائيلي: هل ستدفع تل أبيب نحو مزيد من التصعيد، أم ستقبل بمسار تفاوضي إذا رأت أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من مكاسبها؟
مضيق هرمز.. أخطر أوراق الصراع
يبقى مضيق هرمز أحد أخطر الملفات في هذه الحرب، إذ إن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة سيكون له تأثير عالمي على الطاقة والأسواق.
كما أن ارتباط الأزمة بالبحر الأحمر وباب المندب يزيد من تعقيد المشهد، بسبب ارتباط هذه الممرات بالتجارة العالمية ومصالح القوى الكبرى.
ولهذا فإن أي توسع في المواجهة البحرية قد يحول الحرب من أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية دولية.
الحرب والتنافس الدولي
لا يمكن فصل هذه المواجهة عن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى.
فأي استنزاف أمريكي طويل في الشرق الأوسط قد يؤثر على ملفات أخرى، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، ومستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، والتوازنات الدولية الجديدة.
كما أن استمرار هذه الأزمات المتزامنة يطرح تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي، وهل يتجه العالم نحو مزيد من الاستقطاب والصراعات بين القوى الكبرى.
مآلات الحرب.. ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: التسوية السياسية وهو احتمال قائم إذا أدركت الأطراف أن استمرار الحرب يحمل كلفة أكبر من التنازلات، وقد يكون عبر اتفاق مرحلي يركز على الملف النووي وأمن المنطقة.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة حيث تستمر الضربات المتبادلة دون حسم، مع بقاء خطوط التواصل السياسي مفتوحة، وهو سيناريو يحمل مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة.
السيناريو الثالث: توسع الحرب وهو السيناريو الأخطر، إذا دخلت أطراف جديدة أو توسعت المواجهة في الخليج أو البحر الأحمر، بما قد يؤدي إلى أزمة دولية أوسع.
الخاتمة
تؤكد التطورات الحالية أن الحرب الأمريكية على إيران دخلت مرحلة معقدة؛ فلا الولايات المتحدة استطاعت تحقيق حسم سريع، ولا إيران تمكنت من إنهاء الضغوط عليها.
وبين استمرار العمليات العسكرية ومحاولات الوساطة، يبدو أن الجميع يتحرك في منطقة رمادية: لا حرب تنتهي، ولا اتفاق يولد.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستنتصر لغة القوة، أم ستفرض حسابات الكلفة والواقع السياسي طريق التسوية؟
فمآل هذه الحرب لن يحدد فقط مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، بل قد يكون له تأثير مباشر على مستقبل الشرق الأوسط، وعلى شكل النظام الدولي في السنوات القادمة.