الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

بث صلاة الجمعة اليوم 10 يوليو 2026.. بعنوان "الرفقُ.. بناءٌ للإنسانِ وعمرانٌ للأوطانِ"

صلاة الجمعة اليوم
صلاة الجمعة اليوم

حددت وزارة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة اليوم 10 يوليو 2026 تحت عنوان " الرفقُ.. بناءٌ للإنسانِ وعمرانٌ للأوطانِ"، وفي السطور التالية نستعرض لكم بث الخطبة.

بث صلاة الجمعة اليوم 10 يوليو 2026 

تذاع شعائر صلاة الجمعة من مسجد عمرو بن العاص بمحافظة القاهرة 

نص خطبة الجمعة اليوم 

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الحمدُ للهِ الذي أمرَ بالإحسانِ، ودعا إلى الرحمةِ والرفقِ واللينِ، أحمدُهُ سبحانهُ وأشكرُهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ مكارمَ الأخلاقِ سبيلًا لصلاحِ النفوسِ والمجتمعاتِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، فكانَ أرحمَ الناسِ بالخلقِ، وأرفقَهم بالعبادِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، واعلموا أنَّ مِن أعظمِ الأخلاقِ التي تُصلحُ القلوبَ، وتبني الإنسانَ، وتجمعُ المجتمعاتِ: خُلُقَ الرفقِ؛ فالرفقُ ليس ضعفًا، ولا عجزًا، وإنما هو قوةٌ تضبطُها الحكمةُ، ورحمةٌ تقودُها البصيرةُ، وبه تُفتحُ القلوبُ، وتُصلحُ النفوسُ، وتُبنى الأوطانُ. وحديثُنا اليومَ عن: الرِّفْقُ.. بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ وَعُمْرَانٌ لِلْأَوْطَانِ وذلكَ مِن خلالِ أربعةِ عناصرَ:

أولُها: منزلةُ الرفقِ في الإسلامِ، وأنَّه منهجٌ ربانيٌّ ونبويٌّ.

وثانيها: صورٌ مِن رفقِ النبيِّ ﷺ في التعاملِ مع الخلقِ.

وثالثُها: أثرُ الرفقِ في بناءِ الإنسانِ وعمرانِ الأوطانِ.

ورابعُها: القسوةُ ليستْ وسيلةً للتربيةِ ولا طريقًا للإصلاحِ.

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: مَنْزِلَةُ الرِّفْقِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ مَنْهَجٌ رَبَّانِيٌّ وَنَبَوِيٌّ

عبادَ اللهِ، إنَّ الرفقَ خُلُقٌ عظيمٌ مِن أخلاقِ الإسلامِ، وصفةٌ يحبُّها اللهُ تعالى، ويحبُّ أهلَها، وما أحبَّ اللهُ شيئًا إلا كانَ فيه الخيرُ والبركةُ والصلاحُ. فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» (متفق عليه، البخاري (6024)، ومسلم (2165). قالَ الإمامُ النوويُّ رحمه الله: (فَضْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ وَذَمُّ الْعُنْفِ وَالرِّفْقُ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ أَيْ يُثِيبُ عَلَيْهِ مالا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ يَتَأَتَّى به من الاغراض ويسهل من المطالب مالا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ ففِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَسْمِيَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَوَصْفِهِ بِرَفِيقٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يُوصَفُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عليه). (شرحُ النوويِّ على مسلمٍ ج16، ص145).

صلاة الجمعة اليوم

وفي روايةٍ قالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (البخاري (6927)، ومسلم (2593).

فتأملوا عبادَ اللهِ، لم يقلِ النبيُّ ﷺ إنَّ اللهَ يحبُّ الرفقَ في بعضِ الأمورِ، وإنما قالَ: «في الأمرِ كلِّهِ»، ليكونَ الرفقُ منهجًا في البيتِ، وفي العملِ، وفي التربيةِ، وفي الدعوةِ، وفي كلِّ علاقةٍ بينَ الناسِ.

ولذلكَ بيَّنَ النبيُّ ﷺ أثرَ الرفقِ وبركتَهُ فقالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (مسلم 2594).

فما دخلَ الرفقُ في كلامٍ إلا جمَّلَهُ، ولا في نصيحةٍ إلا قرَّبَ قبولَها، ولا في تربيةٍ إلا أثمرتْ، ولا في معاملةٍ إلا تركَ أثرًا طيبًا في النفوسِ.

أيُّها المؤمنونَ، وإذا أردنا أنْ نعرفَ منزلةَ الرفقِ فلننظرْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقد كانَ الرفقُ أصلًا عظيمًا في دعوتِهِ وتربيتِهِ للناسِ.

قالَ اللهُ تعالى مخاطبًا نبيَّهُ ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. أي: فبرحمةٍ مِن اللهِ لنْتَ لهم، وكذلك كانت صفتُه صلى الله عليه وسلم، كما وصَفَه اللهُ به: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]. فبرحمةِ اللهِ يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبمَن آمَن بك مِن أصحابِك، لِنتَ لتُبَّاعِك وأصْحابِك … وجعَله قريبًا رَحيمًا بالمؤمنين. [وقد] ذُكر لنا أنَّ نَعْتَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في التَّوْرَاةِ: ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخوبٍ (صَخاب) في الأسْواقِ، ولا يَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، ولكن يَعْفُو ويَصْفَحُ. [تفسير الطبري، ج6، ص186- 187 ت: التركي، ط. دار هجر].

ويقولُ الإمامُ ابنُ عَجيبةَ عن هذا الخُلُقِ النَّبويِّ الكريمِ: “ما اتَّصفَ به نبيُّنا – عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – مِنَ السُّهولةِ واللُّيونةِ والرِّفقِ بالأُمَّةِ، اتَّصفتْ به ورثتُهُ مِنَ الأولياءِ العارفينَ، والعلماءِ الرَّاسخينَ؛ ليتهيَّأَ لهمُ الدَّعوةُ إلى اللهِ، أو إلى أحكامِ اللهِ، ولو كانوا فظاظًا غلاظًا لانفضَّ النَّاسُ مِن حولِهم، ولم يتهيَّأْ لهم تعريفٌ ولا تعليمٌ، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوةِ النَّاسِ، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورِهم؛ اقتداءً برسولِهم، فإذا عزموا على إمضاءِ شيءٍ فليتوكَّلوا على اللهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.”. (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، ج1، ص427).

وقال ابن بطَّال – رحمهُ الله – “الكلامُ الطّيِّبُ مَندوبٌ إليهِ وهو مِن جليلِ أفعالِ البِرِّ؛ لأنَّ النبيَّ عليهِ السّلامُ جَعَلهُ كالصدقةِ بالمالِ… ألا ترى أنّها تَذهبُ الشَّحناءَ وتُجْلِيَ السَّخيمَةَ – أما ترى أن الكلمة الطيبة تُزيل العداوة وتطهر القلوب من الضغائن – كما قال تعالى: (ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت 34. (شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج 9، ص225). وقال ﷺ: “مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخيرَ كُلَّه”. مسلم (2592).

فلم تجتمعِ القلوبُ حولَ النبيِّ ﷺ بالقسوةِ، وإنما اجتمعتْ بالرحمةِ واللينِ وحسنِ الخلقِ. قالَ الإمامُ البقاعيُّ رحمهُ اللهُ: “لِنْتَ لهم هذا اللِّينَ الخارقَ للعادةِ، ورفقتَ بهم هذا الرِّفقَ بعدما فعلوا بكَ، إلَّا بسببِ رحمةٍ عظيمةٍ مِنَ اللهِ الحائزِ لجميعِ الكمالِ، فقابلتَهم بالجميلِ، ولم تُعنِّفْهم”. (نظم الدرر ج5، ص106: 107).

وهكذا يعلمُنا القرآنُ أنَّ الرفقَ ليس مجردَ أسلوبٍ جميلٍ في التعاملِ، بل هو طريقٌ إلى إصلاحِ النفوسِ وجمعِ القلوبِ، وأنَّ القسوةَ إذا دخلتْ بينَ الناسِ فرَّقتْ، وإذا دخلَ الرفقُ جمعَ وأصلحَ.

ولذلكَ كانتْ حياةُ النبيِّ ﷺ كلُّها تطبيقًا عمليًّا لهذا الخُلُقِ العظيمِ، فما هي صورُ رفقِهِ ﷺ في التعاملِ مع الناسِ؟ هذا ما نعرفُهُ في العنصرِ الثاني، إنْ شاء اللهُ تعالى.

العُنْصُرُ الثَّانِي: صُوَرٌ مِنْ رِفْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْخَلْقِ

عبادَ اللهِ، لم يكنِ الرفقُ في حياةِ النبيِّ ﷺ كلماتٍ تُقالُ، ولا مواعظَ تُسمعُ فحسب، بل كانَ واقعًا يُرى، ومنهجًا يُعاشُ، ظهرَ في دعوتِهِ، وتعليمِهِ، وتربيتِهِ، ومعاملتِهِ للناسِ جميعًا.

لقد كانَ ﷺ يرى الإنسانَ قبلَ الخطأِ، ويعالجُ الذنبَ دونَ أنْ يهدمَ صاحبَهُ، ويصلحُ النفوسَ بالحكمةِ والرحمةِ.

فهذا أعرابيٌّ يدخلُ مسجدَ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقعُ منه خطأٌ عظيمٌ، فيبولُ في المسجدِ، فيغضبُ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم ويريدونَ منعَهُ، ولكنَّ النبيَّ ﷺ نظرَ إلى الأمرِ بعينِ المربي الرحيمِ.

فعن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزجرَهُ الناسُ، فنهاهمُ النبيُّ ﷺ، فلمَّا قضى بولَهُ أمرَ النبيُّ ﷺ بذَنوبٍ مِن ماءٍ فأُهريقَ عليهِ”. (متفق عليه البخاري (221)، ومسلم (284)).

ثم قالَ له النبيُّ ﷺ معلِّمًا ومرشدًا: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (البخاري (6823)، مسلم (285)).

فما أعظمَ هذا التعليمَ! خطأٌ وقعَ، لكنَّ النبيَّ ﷺ لم يزدِ المخطئَ نفورًا، ولم يغلقْ أمامَهُ بابَ الرجوعِ، وإنما علَّمَهُ برفقٍ، فبقيَ الدرسُ إلى يومِ القيامةِ.

وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يتخوَّلُ أصحابَهُ بالموعظةِ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَوَّلُنا بالمَوعِظةِ في الأيَّامِ؛ كَراهةَ السَّآمةِ علينا”. (رواه البخاري 68، ومسلم 2821). قال أبو الزناد: “أرادَ ﷺ الرفقَ بأمتِهِ؛ ليأخذوا الأعمالَ بنشاطٍ وحرصٍ عليها”. (شرح صحيح البخاري لابن بطال ج1، ص153).

وهذا شابٌّ تأتي به قوةُ الشهوةِ وغلبةُ النفسِ، فيأتي إلى النبيِّ ﷺ فيطلبُ أمرًا عجيبًا، فيقولُ: يا رسولَ اللهِ، ائذنْ لي بالزنا. فلم يطردهُ النبيُّ ﷺ، ولم يجرحْ مشاعرَهُ، وإنما حاورَهُ وخاطبَ عقلَهُ وقلبَهُ.

فعن أبي أمامةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ له: «أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأُمَّهاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لابنتِكَ؟ قال: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لبَناتِهم، قال: أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأَخَواتِهم، قال: أفتُحِبُّه لعَمَّتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لعَمَّاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لخالتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لخالاتِهم، قال: فوَضَعَ يدَه عليه وقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَه، وطَهِّرْ قَلبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، قال: فلمْ يَكُنْ بعدَ ذلك الفَتى يَلتفِتُ إلى شيءٍ». (أحمد (22211)، والطبراني (8/190) (7679)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (2/452) حديث صحيح). فخرجَ الشابُّ وقد تغيَّر قلبُهُ، لا بسيفِ القسوةِ، ولكنْ بدواءِ الرحمةِ والرفقِ.

قال الشيخُ محمد أبو زهرةَ رحمهُ اللهُ: “كان النبيُّ ﷺ باشًّا لطيفَ المعشرِ، متسامحًا رحيمًا، لا يقسو ولا يعنِّتُ أحدًا، ولا يغضبُ ولا يسبُّ، وما ضربَ أحدًا بيدِهِ قط، وكان سهلًا في معاملاتِهِ، طلقَ الوجهِ دائمًا”. (زهرة التفاسير ج3، ص1475).

ومن أروع المواقف التي تجسِّد هذا الرفق، ما رواه أنس رضي الله عنه: “كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ“. صحيح البخاري، ح 5809، وصحيح مسلم، ح 1057. فهكذا كان ﷺ يعامل حتى من أساء إليه، فيحوِّل الموقفَ إلى درسٍ في الحلمِ والعفوِ.

وقد قال الحسن البصري رحمهُ الله: “المؤمنُ سهلُ الجانبِ، لينُ الكلمةِ، قريبٌ من الناسِ، لا يُعاشرُهم إلا على خيرٍ”. حلية الأولياء، ج2، ص147.

أيُّها المؤمنونَ، ولم يكنْ رفقُ النبيِّ ﷺ خاصًّا بالغرباءِ، بل كانَ أعظمَ الناسِ رفقًا بأهلِ بيتِهِ. فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (الترمذي (3895) واللفظ له، والدارمي (2260)، وابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (154) حديث صحيح).

فالقوةُ الحقيقيةُ ليستْ في أنْ يخافَكَ مَن حولَكَ، ولكنْ أنْ يأمنَكَ مَن حولَكَ، وأنْ يجدَ أهلُكَ عندَكَ الرحمةَ والسكينةَ وحسنَ المعاملةِ. بل امتدَّ رفقُ النبيِّ ﷺ حتى شملَ الحيوانَ، ليعلمَ الأمةَ أنَّ الرحمةَ خُلُقٌ شاملٌ.

فقد رأى النبيُّ ﷺ جملًا قد ظهرَ عليهِ التعبُ، في الحديث الصحيح: «دخل النبي ﷺ حائطًا لرجلٍ من الأنصارِ فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حنَّ وذرِفت عيناه فأتاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمسَح ذِفراه فسكت فقال من ربُّ هذا الجملِ لمن هذا الجملُ فجاء فتًى من الأنصارِ فقال لي يا رسولَ اللهِ فقال أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ الَّتي ملَّكك اللهُ إيَّاها ؛ فإنَّه شكَى إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئِبُه» (أبو داود (2549) واللفظ له، وأحمد (1745) حديث صحيح).

عبادَ اللهِ، هذه بعضُ صورِ الرفقِ في حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ، رفقٌ في التعليمِ، ورفقٌ في الإصلاحِ، ورفقٌ في الأسرةِ، ورفقٌ مع كلِّ مخلوقٍ. وإذا كانَ الرفقُ يصنعُ هذا الأثرَ العظيمَ في النفوسِ، فكيفَ يكونُ أثرُهُ في بناءِ الإنسانِ وعمرانِ الأوطانِ؟ هذا ما نتحدثُ عنهُ في العنصرِ الثالثِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: أَثَرُ الرِّفْقِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ وَعُمْرَانِ الْأَوْطَانِ

عبادَ اللهِ، إنَّ الرفقَ ليس خُلُقًا فرديًّا يظهرُ في تعاملِ الإنسانِ مع مَن حولَهُ فحسب، بل هو أساسٌ عظيمٌ مِن أسسِ بناءِ المجتمعاتِ واستقرارِ الأوطانِ؛ لأنَّ المجتمعَ إنما يتكونُ مِن أفرادٍ، فإذا صلحتِ القلوبُ، وحَسُنَتِ الأخلاقُ، وسادَ الرفقُ بينَ الناسِ، قويتِ الروابطُ، وانتشرتِ الرحمةُ، واستقرتِ المجتمعاتُ.

وإذا أردنا أنْ نعرفَ كيفَ يبني الرفقُ الإنسانَ ويُعمرُ الأوطانَ، فلنتأملْ بعضَ آثارهِ:

أولًا: الرفقُ يبني الإنسانَ ويُصلحُ النفوسَ.

فالإنسانُ ليس آلةً تُقادُ بالقهرِ، وإنما هو قلبٌ وعقلٌ ومشاعرُ، يحتاجُ إلى مَن يُرشدهُ بالحكمةِ، ويُقوِّمهُ بالرحمةِ.

وقد كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يبني النفوسَ بالرفقِ، فيخرجُ مِن الإنسانِ أفضلَ ما فيه، ويعينُهُ على الخيرِ بدلَ أنْ يحطمَهُ بسببِ خطئِهِ. فالرفقُ يُحيي الأملَ في القلوبِ، ويجعلُ الإنسانَ يقبلُ النصيحةَ، ويحبُّ طريقَ الإصلاحِ.

قالَ الإمامُ الغزاليُّ – رحمَهُ اللهُ -: “ومَنْ نظرَ في أقوالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وما وردَ مِنَ الأخبارِ في اهتمامِهِ بإرشادِ الخلقِ، وتلطُّفِهِ في جَرِّ النَّاسِ بأنواعِ الرِّفقِ واللِّينِ واللُّطفِ، إلى تحسينِ الأخلاقِ وإصلاحِ ذاتِ البينِ، وبالجملةِ إلى ما يصلحُ به دينَهم ودنياهم، حصلَ له علمٌ ضروريٌّ، بأنَّ شفقتَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على أُمَّتِهِ أعظمُ مِن شفقةِ الوالدِ على ولدِهِ”. (المنقذُ مِنَ الضلالِ، أبو حامدٍ الغزاليُّ، ص 204).

ثانيًا: الرفقُ أساسٌ في تربيةِ الأبناءِ واستقرارِ البيوتِ.

فالبيتُ الذي يقومُ على الرحمةِ والرفقِ بيتٌ تسكنُ فيه النفوسُ، وتقوى فيه الروابطُ، أما البيتُ الذي تكثرُ فيه القسوةُ والصراخُ فإنَّه يفقدُ كثيرًا مِن معاني السكينةِ والمودةِ. ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (الترمذي (3895) واللفظ له، حديث صحيح).

فليستِ الخيريةُ بكثرةِ المالِ، ولا بقوةِ السيطرةِ، وإنما بحسنِ المعاملةِ، والرحمةِ، والقيامِ بالحقوقِ.

ثالثًا: الرفقُ في معالجةِ الأخطاءِ سببٌ للإصلاحِ لا الهدمِ.

فكلُّ إنسانٍ يخطئُ، ولكنَّ طريقةَ التعاملِ مع الخطأِ قد تفتحُ بابَ التوبةِ والإصلاحِ، وقد تزيدُ الإنسانَ عنادًا وبُعدًا.

ولذلكَ كانَ منهجُ النبيِّ ﷺ أنْ يعالجَ الخطأَ دونَ أنْ يهدمَ الإنسانَ، وأنْ يكرهَ الذنبَ دونَ أنْ يغلقَ بابَ الرحمةِ أمامَ المذنبِ. فالرفقُ لا يعني قبولَ الخطأِ، ولكنه يعني إصلاحَهُ بالطريقةِ التي تُثمرُ وتنفعُ.

رابعًا: الرفقُ في الكلامِ والحوارِ يجمعُ القلوبَ ويحفظُ المجتمعاتِ.

فكم مِن كلمةٍ قاسيةٍ قطعتْ رحمًا، وأفسدتْ صداقةً، وأشعلتْ خصومةً، وكم مِن كلمةٍ طيبةٍ أصلحتْ بينَ متخاصمينَ، وأزالتْ ما في الصدورِ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

وقالَ سبحانهُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].

فالشيطانُ يدخلُ بينَ الناسِ مِن أبوابِ الغلظةِ وسوءِ الكلامِ، أما الكلمةُ الطيبةُ فهي بابٌ مِن أبوابِ جمعِ القلوبِ.

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 41: 45].

خامسًا: الرفقُ في مواقعِ المسؤوليةِ سببٌ لعمرانِ الأوطانِ.

فالمسؤولُ إذا رفقَ بمَن تحتَ يدِهِ أحبُّوهُ وأعانوهُ، وإذا غلبَتْ عليه القسوةُ نفروا منهُ.

وقد دعا النبيُّ ﷺ فقالَ: «اللهُمَّ مَنْ ولِي من أمْرِ أُمَّتِي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ علَيهِ ، ومَنْ ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهمْ فارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم 1828).

فالأوطانُ لا تُبنى بالغلظةِ بينَ أبنائِها، وإنما تُبنى بالتعاونِ، والرحمةِ، وحسنِ التعاملِ، وأداءِ كلِّ إنسانٍ واجبَهُ بإخلاصٍ وإتقانٍ.

عبادَ اللهِ، فالرفقُ إذا دخلَ البيتَ أصلحَهُ، وإذا دخلَ التعليمَ أثمرَ، وإذا دخلَ العملَ باركَهُ اللهُ، وإذا انتشرَ بينَ أفرادِ المجتمعِ صارَ سببًا للمحبةِ والاستقرارِ وعمرانِ الأوطانِ.

ولكنْ قد يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّ الرفقَ ضعفٌ، وأنَّ القسوةَ هي الطريقُ الصحيحُ للتربيةِ والإصلاحِ، فهل هذا صحيح؟ هذا ما نتحدثُ عنهُ في العنصرِ الرابعِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

صلاة الجمعة اليوم

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أحمدُهُ سبحانهُ حمدَ الشاكرينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.

أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ الرفقَ ليس خُلُقًا فرديًّا فحسب، بل هو أساسٌ مِن أسسِ صلاحِ المجتمعاتِ، وبناءِ الأوطانِ، فما دخلَ الرفقُ في علاقةٍ إلا قوَّاها، ولا في بيتٍ إلا أصلحَهُ، ولا في مجتمعٍ إلا زادَهُ تماسكًا ورحمةً.

العُنْصُرُ الرَّابِعُ: الْقَسْوَةُ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لِلتَّرْبِيَةِ وَلَا طَرِيقًا لِلْإِصْلَاحِ

أيُّها المؤمنونَ، يخطئُ كثيرٌ مِن الناسِ حينَ يظنونَ أنَّ الرفقَ علامةُ ضعفٍ، أو أنَّ اللينَ دليلُ عجزٍ، أو أنَّ القسوةَ هي الطريقُ الأقربُ للإصلاحِ والتربيةِ، وهذا فهمٌ يخالفُ ميزانَ الإسلامِ ومنهجَ النبيِّ ﷺ؛ فإنَّ الرفقَ في الإسلامِ قوةٌ في موضعِها، وحكمةٌ عندَ التصرفِ، وقدرةٌ على ضبطِ النفسِ عندَ الغضبِ والاستفزازِ.

فالقويُّ حقًّا ليس مَن يملكُ القدرةَ على البطشِ والانتقامِ، وإنما القويُّ مَن يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ، ويختارُ طريقَ الحلمِ والرحمةِ وهو قادرٌ على غيرِ ذلكَ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». [صحيح البخاري، ح 6114، وصحيح مسلم، ح 2609]، وَفِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: أَرَادَ ﷺ أَنَّ الَّذِي يَقْوَى عَلَى مَلْكِ نَفْسِهِ عِنْدَ الغَضَبِ وَيَرُدُّهَا عَنْهُ هُوَ القَوِيُّ الشَّدِيدُ… فَدَلَّ هَذَا أَنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ العَدُوِّ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ مِنَ القُوَّةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ لِلَّذِي يَغْلِبُ النَّاسَ وَيَصْرَعُهُمْ”. شرح صحيح البخاري لابن بطّال، ج9، ص296.

ويدلُّ على وجوبِ الرِّفقِ ما استدلَّ به المأمونُ، إذْ وعظَهُ واعظٌ وعَنُفَ له في القولِ، فقالَ: يا رجلُ، ارفُقْ؛ فقد بعثَ اللهُ مَنْ هو خيرٌ منكَ إلى مَنْ هو شرٌّ منِّي، وأمرَهُ بالرِّفقِ، فقالَ تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، فليكنِ اقتداءُ المحتسبِ في الرِّفقِ بالأنبياءِ، صلواتُ اللهِ عليهم”. إحياء علوم الدين ج2، ص334.

إنَّ الرفقَ لا يُنقصُ قدرَ الإنسانِ، ولا يُذهبُ هيبتَهُ، بل يزيدُهُ رفعةً ومكانةً؛ لأنَّ الناسَ قد تخضعُ للقوةِ ظاهرًا، لكنها لا تُفتحُ قلوبُها إلا بالرحمةِ وحسنِ الخلقِ.

فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم (2588)).

فهذا الحديثُ يضعُ لنا ميزانًا عظيمًا يخالفُ ما يظنُّهُ بعضُ الناسِ؛ فالعفوُ ليس ضعفًا، والرفقُ ليس هوانًا، والحلمُ ليس عجزًا، بل هو عزٌّ يرفعُ اللهُ به صاحبَهُ، وقوةٌ ينتصرُ بها الإنسانُ على نفسِهِ قبلَ أنْ ينتصرَ على غيرِهِ.

ولذلكَ كانتْ أعظمُ صورِ الرفقِ ما يكونُ عندَ القدرةِ؛ فقد كانَ النبيُّ ﷺ قادرًا على معاقبةِ مَن آذوهُ، لكنه اختارَ طريقَ الرحمةِ والهدايةِ، لأنَّ هدفَهُ لم يكنِ الانتقامَ للنفسِ، وإنما إصلاحَ الإنسانِ.

وهكذا يكونُ الرفقُ خُلُقَ الأقوياءِ، وسلاحَ المصلحينَ، وطريقَ الأنبياءِ في فتحِ القلوبِ قبلَ تغييرِ السلوكِ.

والحقيقةُ أنَّ الإسلامَ لا يدعو إلى الضعفِ، ولا إلى تركِ التوجيهِ، ولا إلى السكوتِ على الخطأِ، ولكنَّه يعلِّمُنا أنَّ الإصلاحَ يحتاجُ إلى حكمةٍ ورحمةٍ، وأنَّ الحزمَ شيءٌ والقسوةَ شيءٌ آخرُ.

فقد يكونُ الإنسانُ حازمًا بلا ظلمٍ، وقويًّا بلا قسوةٍ، ومربيًا بلا إهانةٍ؛ لأنَّ المقصودَ مِن التربيةِ إصلاحُ النفوسِ لا كسرُها، وبناءُ الإنسانِ لا تحطيمُهُ.

قالَ اللهُ تعالى مخاطبًا نبيَّهُ ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

فتأملوا عبادَ اللهِ، لو كانتِ القسوةُ طريقًا لجمعِ القلوبِ، أو وسيلةً لإصلاحِ النفوسِ، لكانَ أولى الناسِ بها رسولُ اللهِ ﷺ، ولكنه بُعثَ رحمةً للعالمينَ، ففتحَ اللهُ به قلوبًا لم تفتحْها القوةُ، وجمعَ به نفوسًا أصلحتْها الرحمةُ.

أيُّها الآباءُ والأمهاتُ والمربونَ، إنَّ التربيةَ ليستْ صراخًا دائمًا، ولا تهديدًا مستمرًا، ولا بحثًا عن الأخطاءِ فقط، وإنما التربيةُ غرسٌ وبناءٌ، وتوجيهٌ وتقويمٌ.

فالطفلُ الذي يعيشُ دائمًا تحتَ القسوةِ قد يتركُ الخطأَ خوفًا مِن العقوبةِ، ولكنَّ التربيةَ الحقيقيةَ أنْ نزرعَ في قلبِهِ حبَّ الصوابِ، ومراقبةَ اللهِ، والرغبةَ في الخيرِ.

إنَّ القسوةَ قد تغيِّرُ السلوكَ لحظةً، ولكنَّ الرفقَ يصنعُ القناعةَ التي تبقى.

ولهذا كانَ النبيُّ ﷺ أرحمَ الناسِ بالصغارِ، فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَبَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحَسَنَ بنَ عَليٍّ وعِندَه الأقرَعُ بنُ حابِسٍ التَّميميُّ جالِسًا، فقال الأقرَعُ: إنَّ لي عَشَرةً مِنَ الولَدِ ما قَبَّلتُ منهم أحَدًا، فنَظَرَ إليه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثُمَّ قال: مَن لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» (متفق عليه، البخاري (5997) واللفظ له، ومسلم (2318).

فأرادَ النبيُّ ﷺ أنْ يعلِّمَ الأمةَ أنَّ الرحمةَ ليستْ ضعفًا، وأنَّ إظهارَ المحبةِ للأبناءِ لا يُفسدُهم، بل يبني نفوسَهم، ويملأُ قلوبَهم أمنًا وطمأنينةً.

أيُّها المؤمنونَ، ولم يكنْ رفقُ النبيِّ ﷺ مانعًا مِن تصحيحِ الأخطاءِ، بل كانَ يصححُ ويعلِّمُ، ولكنْ بلا إهانةٍ ولا تحطيمٍ.

فعن معاويةَ بنِ الحكمِ السلميِّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ بعدما أخطأَ في الصلاةِ، وعلَّمَهُ رسولُ اللهِ ﷺ: «بيْنَا أنَا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ علَى أفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَبِأَبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فَوَاللَّهِ، ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي ولَا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ» (رواه مسلم). هكذا كانَ تعليمُ النبيِّ ﷺ؛ توجيهٌ بلا تجريحٍ، وتصحيحٌ بلا إهانةٍ، ورحمةٌ لا تمنعُ الإصلاحَ.

عبادَ اللهِ، ما أحوجَنا إلى هذا الخُلُقِ العظيمِ في بيوتِنا، ومع أبنائِنا، وفي أعمالِنا، وفي تعاملِنا مع الناسِ؛ فالرفقُ إذا دخلَ بيتًا زيَّنَهُ، وإذا دخلَ قلبًا أصلحَهُ، وإذا انتشرَ في مجتمعٍ جمعَ القلوبَ، وقوَّى الروابطَ، وكانَ سببًا في بناءِ الإنسانِ وعمرانِ الأوطانِ.

“فليكن الرفق منهج حياة، لا موقفًا عابرًا؛ نربي به أبناءنا، ونعامل به أهلنا، ونبني به مجتمعنا، فإن الحضارات لا تقوم بقسوة القلوب، وإنما تقوم بعدل العقول ورحمة النفوس.”

اللهمَّ ارزقْنا الرفقَ في أقوالِنا وأعمالِنا، وزيِّنَّا بالحلمِ والرحمةِ وحسنِ الخلقِ، وأصلحْ بيوتَنا وأبناءَنا ومجتمعاتِنا، واجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشرِّ".

موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق ( الأيام نيوز) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا

موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من  الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيام TV، حوادث، خدمات مثل سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات ، جميع الدوريات.

موضوعات متعلقة

تم نسخ الرابط