خطبة الجمعة بث مباشر من مصر.. فضل العشر الأوائل من ذي الحجة
حددت وزارة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة اليوم 15 مايو 2026 ويأتي بعنوان " عشرُ ذي الحجة.. فضائلُ وبشائر"، وفي السطور التالية نقدم لكم النص الكامل.
بث مباشر لصلاة الجمعة اليوم 15 مايو 2026
تذاع شعائر صلاة الجمعة من مسجد محمد عبد الحليم محمود بمحافظة الشرقية.
نص خطبة الجمعة اليوم
"الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أحمدُهُ سبحانهُ حمدَ الشاكرينَ، وأثني عليهِ ثناءَ الذاكرينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، جعلَ لعبادِهِ مواسمَ للخيراتِ، تتنزَّلُ فيها الرحماتُ، وتُضاعفُ فيها الحسناتُ، وتُقالُ فيها العثراتُ، وتُعتقُ فيها الرقابُ من النارِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا ونبيَّنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، دلَّ أمتَهُ على أبوابِ الخيرِ، وفتحَ لها طرقَ النجاةِ، وحثَّها على اغتنامِ مواسمِ الطاعةِ قبلَ فواتِها، فصلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نهجِهِ واستنَّ بسنَّتِهِ إلى يومِ الدين.
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّل: فَضَائِلُ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: الأَعْمَالُ المَشْرُوعَةُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ
العنصر الثالث: العنايةُ بالنظافةِ سلوكٌ إيمانيٌّ وحضاريٌّ
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ مِن رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أنْ جعلَ لهم مواسمَ للطاعاتِ تُحيي القلوبَ بعدَ غفلتِها، وتغسلُ الأرواحَ من أدرانِها، وإنَّ مِن أعظمِ هذه المواسمِ: عشرَ ذي الحجةِ، تلكَ الأيامُ المباركةُ التي عظَّمها اللهُ في كتابِهِ، وأقسمَ بها، ورفعَ قدرَ العملِ فيها فوقَ سائرِ أيامِ الدنيا. عبادَ اللهِ، ما أسرعَ الأيَّامَ! بالأمسِ ودَّعْنَا رمضانَ، وها نحنُ اليومَ على أبوابِ موسمٍ عظيمٍ آخرَ، كم تمنَّى أقوامٌ تحتَ الترابِ أنْ يعودوا إليهِ ليُسبِّحوا اللهَ تسبيحةً واحدةً، أو يسجدوا لهُ سجدةً واحدةً، فالسعيدُ مَن عرفَ قدرَ هذه الأيامِ قبلَ أنْ ترحلَ من عمرِهِ إلى الأبدِ.

العُنْصُرُ الأَوَّل: فَضَائِلُ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ
عبادَ اللهِ، إنَّ الحديثَ عن عشرِ ذي الحجةِ ليسَ حديثًا عن أيامٍ عاديةٍ تمرُّ كما تمرُّ سائرُ الأيامِ، بل هو حديثٌ عن موسمٍ ربانيٍّ عظيمٍ، تتنزَّلُ فيهِ الرحماتُ، وتُفتحُ فيهِ أبوابُ الجناتِ، وتُضاعفُ فيهِ الحسناتُ، وتُقالُ فيهِ العثراتُ، حتى كانَ السلفُ الصالحُ إذا أقبلتْ هذه الأيامُ تغيَّرتْ أحوالُهم، واجتهدوا فيها اجتهادًا عجيبًا، لأنَّهم عرفوا قدرَها عندَ اللهِ سبحانهُ وتعالى.
فأوَّلُ ما يدلُّ على عظيمِ شأنِ هذه الأيامِ أنَّ اللهَ سبحانهُ أقسمَ بها في كتابِهِ الكريمِ، فقالَ تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} الفجر:1-2، قالَ الرازي رحمهُ اللهُ: “الْأَقْرَبُ: أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِمَا لِشَرَفِهِمَا أَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أَمْرُ الْحَجِّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» النسائي (3016)، و(3044)، والترمذي (889)، وابن ماجة (3015). صحيح، وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَيَقَعُ فِيهِ الْقُرْبَانُ وَأَكْثَرُ أُمُورِ الْحَجِّ مِنَ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ، وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ”. [تفسير الرازي ج31 ص149]، وإذا أقسمَ اللهُ بشيءٍ دلَّ ذلكَ على عظيمِ فضلِهِ وعلوِّ قدرِهِ، فربُّ العالمينَ لا يُقسِمُ إلا بعظيمٍ. فتأمَّلوا رحمكم الله… اللهُ يُقسِمُ بهذه الأيامِ… بينما تمرُّ على كثيرٍ من الناسِ فلا تتحرَّكُ القلوبُ، ولا تستيقظُ الأرواحُ، ولا يشعرونَ أنَّ أبوابَ السماءِ قد فُتحتْ لهم من جديدٍ.
ومن أعظمِ فضائلِ هذه الأيامِ أنَّها أفضلُ أيامِ الدنيا على الإطلاقِ، فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ» قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ ﷺ: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رجلٌ خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ» (البخاري 969). يا الله… أيُّ أيامٍ هذهِ التي ترتفعُ فيها قيمةُ الأعمالِ حتى تُزاحمَ منزلةَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ؟!
أيُّ موسمٍ هذا الذي تصبحُ فيهِ تسبيحةٌ أحبَّ إلى اللهِ، وركعةٌ أحبَّ إلى اللهِ، وصدقةٌ أحبَّ إلى اللهِ من سائرِ أيامِ العامِ؟!
ولذلكَ كانَ سعيدُ بنُ جبيرٍ رحمهُ اللهُ – وهو راوي حديثِ ابنِ عباسٍ في فضلِ العشرِ – إذا دخلتْ العشرُ اجتهدَ اجتهادًا شديدًا حتى ما يكادُ يُقدَرُ عليهِ، وكانَ يقولُ: “لا تُطفئوا سرجَكم لياليَ العشرِ” [لطائف المعارف لابن رجب ص468]، يريدُ بذلكَ إحياءَها بالطاعةِ والقيامِ والذكرِ وقراءةِ القرآنِ. أينَ نحنُ – عبادَ اللهِ – من أحوالِ أولئكَ القومِ؟!
قومٌ كانوا إذا دخلتِ العشرُ أحسُّوا أنَّ أبوابَ الجنةِ قد فُتحتْ، وأنَّها أيامٌ لا يجوزُ أن تمرَّ بلا عبادةٍ ولا بكاءِ توبةٍ ولا انكسارٍ بينَ يدي اللهِ.
ومن فضائلِ هذه الأيامِ أنَّ اللهَ جمعَ فيها أمهاتِ العباداتِ كلِّها، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “والذي يظهرُ أنَّ السببَ في امتيازِ عشرِ ذي الحجةِ لمكانِ اجتماعِ أمهاتِ العبادةِ فيها، وهي الصلاةُ، والصيامُ، والصدقةُ، والحجُّ، ولا يتأتَّى ذلكَ في غيرِها” [فتح الباري ج2 ص460].
ففيها الحجُّ… وفيها الصلاةُ… وفيها الصيامُ… وفيها الذكرُ… وفيها الصدقةُ… وفيها التكبيرُ والتهليلُ…
حتى كأنَّ اللهَ جمعَ أبوابَ الخيرِ كلَّها في هذه الأيامِ، ثم نادى عبادَهُ: مَن أرادَ المغفرةَ فها هي الأبوابُ قد فُتحتْ… ومَن أرادَ الرحمةَ فها هي النفحاتُ قد تنزَّلتْ… ومَن أرادَ النجاةَ فها هي مواسمُ العتقِ قد أقبلتْ…
ومن فضائلِ هذه الأيامِ أنَّها من الأشهرِ الحرمِ التي عظَّمها اللهُ سبحانهُ، قالَ تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} التوبة:36، وذو الحجةِ أحدُ هذه الأشهرِ العظيمةِ التي تُضاعفُ فيها الحسناتُ، ويعظمُ فيها الإثمُ والسيئاتُ، ولذلكَ كانَ السلفُ يعظِّمونَ هذه الأيامَ تعظيمًا شديدًا، ويجتهدونَ في مراقبةِ اللهِ فيها أكثرَ من غيرِها.
ومن أعظمِ فضائلِ هذه الأيامِ أنَّ فيها يومَ عرفةَ، ذلكَ اليومُ العظيمُ الذي ترتجفُ فيهِ القلوبُ، وتسيلُ فيهِ دموعُ التائبينَ، وتتنزَّلُ فيهِ الرحماتُ، وتُعتقُ فيهِ الرقابُ من النارِ، فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النارِ من يومِ عرفةَ» (مسلم 1348). أيُّ يومٍ هذا الذي يباهي اللهُ فيهِ ملائكتَهُ بأهلِ الموقفِ؟! وأيُّ يومٍ هذا الذي تجتمعُ فيهِ القلوبُ المنكسرةُ على بابِ اللهِ ترجوهُ وتدعوهُ وتبكي بينَ يديهِ؟!
تأمَّلوا – عبادَ اللهِ – ذلكَ المشهدَ العظيمَ، ملايينُ من الحجيجِ قد تجردوا من زينةِ الدنيا، ولبسوا لباسَ الافتقارِ والانكسارِ، ووقفوا على صعيدِ عرفةَ رافعينَ أكفَّ الضراعةِ، تختلطُ دموعُهم بالتلبيةِ، وترتفعُ أصواتُهم في أرجاءِ المكانِ: لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملكَ لا شريكَ لكَ. هناكَ تُفتحُ أبوابُ السماءِ، وهناكَ تُسكبُ العبراتُ، وهناكَ يقفُ المذنبونَ بينَ يدي اللهِ منكسرينَ، هذا يبكي على ذنبٍ أثقلَهُ سنينَ، وهذا يرجو رحمةَ ربِّهِ، وهذا جاءَ بقلبٍ أرهقتْهُ المعاصي يريدُ أن يعودَ نقيًّا كيومِ ولدتهُ أمُّهُ.
وما أعظمَها من لحظاتٍ حينَ ينظرُ اللهُ إلى تلكَ الجموعِ الواقفةِ بعرفةَ، فلا يُرى هناكَ غنيٌّ ولا فقيرٌ، ولا ملكٌ ولا مملوكٌ، بل عبادٌ وقفوا جميعًا على بابِ ربِّهم، يرجونَ رحمتَهُ ويخافونَ عذابَهُ، وقد نسُوا الدنيا كلَّها، فلم يبقَ في قلوبِهم إلا اللهُ.
وفي يومِ عرفةَ أكملَ اللهُ هذا الدينَ، وأتمَّ على المؤمنينَ النعمةَ، فقالَ سبحانهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة:3، وقد جاءَ رجلٌ مِن اليهودِ إلى عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّكم تقرءونَ آيةً في كتابِكم، لو علينا معشرَ اليهودِ نزلتْ لاتخذنا ذلكَ اليومَ عيدًا، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: “واللهِ إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نزلتْ فيهِ على رسولِ اللهِ ﷺ، والساعةَ التي نزلتْ فيها، نزلتْ عشيةَ عرفةَ في يومِ جمعةٍ” (البخاري 45، مسلم 3017).
قالَ ابنُ رجبٍ رحمهُ اللهُ: “ولمَّا كانَ اللهُ سبحانهُ قد وضعَ في نفوسِ المؤمنينَ حنينًا إلى مشاهدةِ بيتِهِ الحرامِ، وليسَ كلُّ أحدٍ قادرًا على مشاهدتِهِ كلَّ عامٍ، فرضَ على المستطيعِ الحجَّ مرةً واحدةً في عمرِهِ، وجعلَ موسمَ العشرِ مشتركًا بينَ السائرينَ والقاعدينَ” [لطائف المعارف ص482]. فيا مَن لم يكتبِ اللهُ لهُ الوقوفَ بعرفةَ هذا العامَ، لا تُحرَمْ روحَ عرفةَ، عِشْها بقلبِكَ، عِشْها بدمعتِكَ، عِشْها بصدقِ توبتِكَ، فلعلَّ قلبًا منكسرًا في بيتِهِ يكونُ أقربَ إلى اللهِ من أجسادٍ حضرتْ وغابتْ قلوبُها.
عبادَ اللهِ، إنَّ المحرومَ حقًّا ليسَ مَن فاتهُ الحجُّ، ولكنَّ المحرومَ مَن أدركَ هذه الأيامَ ثم خرجَ منها كما دخلَها، لا توبةَ غيَّرتْ قلبَهُ، ولا دمعةَ غسلتْ ذنبَهُ، ولا قرآنَ أحيا روحَهُ، ولا سجدةَ قرَّبتْهُ من ربِّهِ، فاغتنموا هذه النفحاتِ قبلَ أن تُطوَى صحائفُ الأعمارِ، فإنَّها واللهِ أيَّامٌ لا يدري العبدُ هل تعودُ عليهِ مرةً أخرى أم لا.
ومن فضائلِ هذه الأيامِ كذلكَ أنَّ فيها يومَ النحرِ، أعظمَ أيامِ الدنيا عندَ اللهِ تعالى، فعن عبدِ اللهِ بنِ قُرطٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ أعظمَ الأيامِ عندَ اللهِ يومُ النحرِ ثم يومُ القَرِّ» (أبو داود 1765، حديث صحيح). إنَّهُ يومُ التكبيرِ الذي تهتزُّ بهِ الأرضُ تعظيمًا للهِ، ويومُ الذبحِ الذي تُراقُ فيهِ الدماءُ قربةً للهِ، ويومُ الفرحِ بطاعةِ اللهِ، يومٌ تظهرُ فيهِ شعائرُ الإسلامِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وترتفعُ فيهِ أصواتُ الموحِّدينَ بالتكبيرِ والتهليلِ، حتى تشعرَ أنَّ الأمةَ كلَّها قد اجتمعتْ على تعظيمِ ربِّها. إنه يومٌ تتجدد فيه ذكرى إبراهيم عليه السلام حينَ قدَّمَ محبةَ اللهِ على كلِّ شيءٍ، فلمَّا استسلمَ لأمرِ ربِّهِ، وفدَى اللهُ ولدَهُ بذبحٍ عظيمٍ، بقيتْ هذه الشعيرةُ حيَّةً في الأمةِ إلى قيامِ الساعةِ، تُعلِّمُ الناسَ معنى الطاعةِ، ومعنى التسليمِ، ومعنى أن يكونَ اللهُ أحبَّ إلى العبدِ من نفسِهِ وولدِهِ والدنيا كلِّها.
ومن فضائلِ هذه الأيامِ المباركةِ أنَّها هيَ الأيَّامُ المعلوماتُ التي عظَّمها اللهُ سبحانهُ في كتابِهِ الكريمِ، فقالَ تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} الحج:28، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: “الأيامُ المعلوماتُ: أيامُ العشرِ” [تفسير الطبري ج16 ص565]، فعن جابرٍ رضيَ اللهُ عنهُ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفضلُ أيَّامِ الدنيا أيَّامُ العشرِ» يعني عشرَ ذي الحجةِ، قيلَ: ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: «ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجلٌ عفَّرَ وجهَهُ بالتُّرابِ» [أخرجه البزار (1128)، وابن حبان (3853)، حديث حسن].
تأمَّلوا – عبادَ اللهِ – هذا الوصفَ النبويَّ العظيمَ: “أفضلُ أيَّامِ الدنيا”…
أيَّامٌ اختارها اللهُ من بينِ أيَّامِ العامِ كلِّهِ، وشرَّفها، ورفعَ قدرَها، وجعلَ فيها من الخيراتِ والبركاتِ ما لم يجعلْهُ في غيرِها، حتى كانَ بعضُ السلفِ يقولُ: “ما من عملٍ أزكى عندَ اللهِ، ولا أعظمَ أجرًا، من خيرٍ يعملُهُ في عشرِ الأضحي”.
عبادَ اللهِ، لقد كانَ السلفُ الصالحُ يعظِّمونَ هذه الأيامَ تعظيمًا عجيبًا، قالَ أبو عثمانَ النهديُّ رحمهُ اللهُ: “كانوا يعظِّمونَ ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ من رمضانَ، والعشرَ الأولَ من ذي الحجةِ، والعشرَ الأولَ من المحرمِ” [لطائف المعارف ص489].
فيا مَن بلَّغكَ اللهُ هذه الأيامَ… هذه ليستْ أيَّامًا عابرةً… إنَّها نفحاتُ عمرٍ قد لا تتكرَّرُ… وكم مِن أناسٍ كانوا معنا في العامِ الماضي يظنونَ أنَّهم سيدركونَ هذه العشرَ مرةً أخرى، فإذا بهم اليومَ تحتَ الترابِ، قد انقطعَ العملُ، وبقيَ الحسابُ.
فلا تجعلْ هذه الأيامَ تمرُّ كما مرَّ غيرُها… ولا تكنْ مِن الغافلينَ الذينَ دخلوا الموسمَ كما دخلوا سائرَ الأيَّامِ ثم خرجوا منهُ بلا توبةٍ، ولا ذِكرٍ، ولا قرآنٍ، ولا دمعةِ ندمٍ بينَ يدي اللهِ.
اغتنموا هذه الأيامَ – عبادَ اللهِ – قبلَ أن تُطوَى صحائفُ الأعمارِ، فإنَّ العاقلَ ليسَ مَن عرفَ فضلَها فقط، بل مَن عرفَ كيفَ يتزوَّدُ منها ليومِ يقفُ فيهِ بينَ يدي اللهِ وحيدًا لا ينفعُهُ إلا عملُهُ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: الأَعْمَالُ المَشْرُوعَةُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ
عبادَ اللهِ، إذا كانتْ هذه الأيامُ بهذه المنزلةِ العظيمةِ عندَ اللهِ تعالى، فإنَّ مِن أعظمِ الخسرانِ أن تمرَّ على العبدِ ثم يخرجُ منها كما دخلَها، لا توبةً أحدثتْ في قلبِهِ حياةً، ولا طاعةً قرَّبتْهُ من ربِّهِ، ولا دمعةَ ندمٍ غسلتْ ذنبَهُ، فإنَّ المواسمَ الربانيةَ إنما يربحُ فيها الصادقونَ، وأمَّا الغافلونَ فتمرُّ عليهم مواسمُ الطاعةِ كما تمرُّ سائرُ الأيامِ، لا تزيدُهم إلا بُعدًا وغفلةً وقسوةً.
وإنَّ أولَ ما ينبغي أن يستقبلَ بهِ المؤمنُ هذه الأيامَ: توبةٌ صادقةٌ إلى اللهِ تعالى، فإنَّ الذنوبَ قيودٌ ثقيلةٌ تمنعُ القلبَ من السيرِ إلى اللهِ، وكيفَ يتعرَّضُ العبدُ لنفحاتِ الرحمةِ وقلبُهُ غارقٌ في المعاصي والغفلاتِ؟! وكيفَ يطمعُ في المغفرةِ وهو مُصرٌّ على الذنبِ لا يُقلعُ عنهُ ولا يندمُ عليهِ؟! ولذلكَ كانَ السلفُ رحمهمُ اللهُ يستقبلونَ مواسمَ الطاعةِ بالتوبةِ والانكسارِ، لأنَّ القلبَ إذا تطهَّرَ من الذنبِ أقبلَ على اللهِ بصدقٍ وخشوعٍ وإنابةٍ.
يا عبدَ اللهِ… ربَّما تكونُ هذه آخرَ عشرٍ تمرُّ عليكَ في حياتِكَ… فكم مِن أناسٍ كانوا معنا في أعوامٍ مضتْ يستقبلونَ هذه الأيامَ معنا، ثم صاروا اليومَ تحتَ أطباقِ الترابِ، قد انقطعَ العملُ، وبقيَ الحسابُ…
فهل تدري لعلَّ دمعةَ توبةٍ صادقةٍ في هذه الأيامِ تكونُ سببَ نجاتِكَ يومَ القيامةِ؟!
ومن أعظمِ ما ينبغي للمسلمِ أن يحذرَهُ في هذه الأيامِ: المعاصي والظلمُ والغفلةُ، فإنَّ ذنبًا في موسمٍ عظيمٍ أشدُّ خطرًا وأعظمُ أثرًا، وقد قالَ تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} التوبة:36، فاحذرْ – عبدَ اللهِ – أن تكونَ هذه الأيامُ شاهدًا عليكَ لا شاهدًا لكَ… واحذرْ أن تملأَ لياليَها باللهوِ والغفلةِ بينما أبوابُ الرحمةِ مفتوحةٌ، والنفحاتُ تتنزَّلُ على عبادِ اللهِ.
ثمَّ بعدَ التوبةِ تأتي الصلاةُ، أعظمُ ما يتقرَّبُ بهِ العبدُ إلى ربِّهِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ، قالَ تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} العلق:19، وما ارتفعتْ منزلةُ عبدٍ عندَ اللهِ إلا بكثرةِ سجودِهِ وخضوعِهِ، وما أجملَ أن تمرَّ هذه الأيامُ والعبدُ كثيرُ الركوعِ والسجودِ، طويلَ القيامِ بينَ يدي اللهِ، يناجي ربَّهُ في ظلماتِ الليلِ والناسُ نيامٌ.
تأمَّلوا – عبادَ اللهِ – بيوتَ الصالحينَ في ليالي العشرِ… هذا قائمٌ يتلو كتابَ اللهِ والدموعُ تنحدرُ من عينَيْهِ… وهذا ساجدٌ يناجي ربَّهُ ويرجوهُ… وهذا رفعَ يدَيْهِ في السَّحَرِ يسألُ اللهَ العفوَ والرحمةَ والقبولَ… وكأنَّ القلوبَ قد شعرتْ أنَّها أيَّامٌ قد لا تعودُ مرةً أخرى. وكانَ سعيدُ بنُ جبيرٍ رحمهُ اللهُ إذا دخلتِ العشرُ اجتهدَ اجتهادًا شديدًا حتى ما يكادُ يُقدَرُ عليهِ [لطائف المعارف لابن رجب ص468]، لأنَّهم أدركوا أنَّها أيامُ سباقٍ إلى اللهِ لا أيامُ فتورٍ وغفلةٍ.
ومن أجلِّ الأعمالِ في هذه الأيامِ: الإكثارُ من ذكرِ اللهِ تعالى، بالتكبيرِ والتهليلِ والتحميدِ، فقد قالَ النبيُّ ﷺ: «ما مِن أيامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ من هذه الأيامِ العشرِ، فأكثروا فيهنَّ مِن التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ» (أحمد 5446، إسنادُهُ حسن).
اللهُ أكبرُ… اللهُ أكبرُ… لا إلهَ إلا اللهُ… اللهُ أكبرُ… اللهُ أكبرُ… وللهِ الحمدُ…
هكذا كانتْ أيَّامُ العشرِ عندَ السلفِ… تكبيرٌ يملأُ الطرقاتِ… وذكرٌ يحيي القلوبَ… وألسنةٌ لا تفترُ عن تعظيمِ اللهِ…
وكانَ ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُما يخرجانِ إلى السوقِ في أيامِ العشرِ يُكبِّرانِ، فيُكبِّرُ الناسُ بتكبيرِهِما [البخاري تعليقًا]، وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يُكبِّرُ في قبَّتِهِ بمنى، فيسمعُهُ أهلُ المسجدِ فيُكبِّرونَ، ويُكبِّرُ أهلُ الأسواقِ حتى ترتجَّ منى تكبيرًا [البخاري تعليقًا]. يا الله… بلدٌ كاملٌ يهتزُّ بالتكبيرِ… وأمَّةٌ كاملةٌ تُعظِّمُ ربَّها… فأينَ التكبيرُ اليومَ في بيوتِ المسلمينَ؟! وأينَ تعظيمُ اللهِ في القلوبِ؟!
ومن الأعمالِ العظيمةِ كذلكَ: الصيامُ، فإنَّهُ من أجلِّ الطاعاتِ وأحبِّ القرباتِ إلى اللهِ، وكانَ كثيرٌ من السلفِ يجتهدونَ في صيامِ هذه الأيامِ طلبًا لرضوانِ اللهِ، وقد رُويَ عن بعضِ أزواجِ النبيِّ ﷺ قالتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصومُ تسعَ ذي الحجةِ» (أبو داود 2437، والنسائي 2417، حديث صحيح). ويكفي في فضلِ يومِ عرفةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «صيامُ يومِ عرفةَ أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَهُ والسنةَ التي بعدَهُ» (مسلم 1162).
يومٌ واحدٌ… يغسلُ ذنوبَ عامينِ كاملينِ… وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النارِ من يومِ عرفةَ، وإنَّهُ ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكةَ» (مسلم 1348).
فكم مِن عبدٍ دخلَ عرفةَ مثقلًا بالذنوبِ… فخرجَ منهُ وقد غفرَ اللهُ ذنبَهُ… وبدَّلَ سيئاتِهِ حسناتٍ… وكتبَهُ في ديوانِ المرحومينَ.
ومن أجلِّ الأعمالِ كذلكَ: الإقبالُ على القرآنِ العظيمِ، فإنَّ القرآنَ حياةُ القلوبِ ونورُ الأرواحِ، قالَ تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الإسراء:9.
يا عبدَ اللهِ… كم ليلةً ضاعتْ في اللهوِ والهاتفِ ومتابعةِ ما لا ينفعُ… بينما المصحفُ مهجورٌ على الرفوفِ؟! أما آنَ لقلبِكَ أن يحيَا بكلامِ اللهِ؟! أما آنَ لعينِكَ أن تبكيَ من خشيةِ اللهِ وأنتَ تسمعُ آياتِهِ؟!
وكانَ بعضُ السلفِ إذا دخلتِ المواسمُ تركوا كثيرًا من مجالسِ الناسِ، وأقبلوا على القرآنِ والذكرِ، لأنَّهم كانوا يعلمونَ أنَّ مواسمَ الطاعةِ لا تدومُ، وأنَّ العمرَ أقصرُ من أن يُضيَّعَ في الغفلاتِ.
ومن الأعمالِ المباركةِ كذلكَ: إصلاحُ ذاتِ البينِ، فإنَّ الشحناءَ والخصوماتِ من أعظمِ ما يحرمُ العبدَ الخيرَ والقبولَ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «دبَّ إليكم داءُ الأممِ قبلَكم: الحسدُ والبغضاءُ، هي الحالقةُ، لا أقولُ تحلقُ الشعرَ ولكنْ تحلقُ الدينَ» (الترمذي 2510، وأحمد 14105، حديث حسن). فبادرْ – عبدَ اللهِ – إلى الصفحِ والعفوِ وصلةِ مَن قطعكَ، فخيرُ الناسِ مَن بدأَ أخاهُ بالسلامِ، ولا تجعلِ الشيطانَ يسرقُ منك موسمَ المغفرةِ بسببِ خصومةٍ أو شحناءِ أو كِبْرٍ في القلبِ.
ومن الأعمالِ المباركةِ أيضًا: الصدقةُ، وبرُّ الوالدينَ، وصلةُ الأرحامِ، والإحسانُ إلى الفقراءِ والمحتاجينَ، فإنَّ هذه الأيامَ ليستْ مواسمَ عبادةٍ فرديةٍ فقط، بل مواسمُ رحمةٍ وتكافلٍ وجبرِ خواطرَ.
ما أعظمَها من لحظاتٍ حينَ تدخلُ السرورَ على قلبِ فقيرٍ… أو ترفعُ أمٌّ يدَيْها تدعو لولدِها لأنَّهُ برَّها وأحسنَ إليها… أو تصلُ رحمًا طالَ انقطاعُها… فإنَّ أبوابَ الرحمةِ تُفتحُ بالإحسانِ إلى عبادِ اللهِ.
ثم تأتي شعيرةُ الأضحيةِ، تلكَ الشعيرةُ العظيمةُ التي تُحيي في النفوسِ معانيَ الطاعةِ والتسليمِ والبذلِ، وتُذكِّرُنا بموقفِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ حينَ امتثلَ أمرَ ربِّهِ دونَ تردُّدٍ، فقالَ تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} الصافات:103-105.
إنَّها ليستْ مجرَّدَ ذبيحةٍ تُذبحُ… بل عبوديةٌ وتوحيدٌ وتسليمٌ للهِ… قالَ تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج:32.
ويُستحبُّ لِمَن أرادَ أن يُضحِّيَ ألَّا يأخذَ من شعرِهِ ولا من أظفارِهِ شيئًا إذا دخلتِ العشرُ، لما روتهُ أمُّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكم أن يُضحِّيَ فلا يمسَّ من شعرِهِ وبشرِهِ شيئًا» (مسلم 1977).
عبادَ اللهِ، إنَّ أخطرَ ما يُضيِّعُ على الناسِ هذه المواسمَ المباركةَ: الغفلةُ والتسويفُ، فكم مِن إنسانٍ قالَ: سأتوبُ غدًا، وسأجتهدُ غدًا، حتى انتهتِ الأيامُ، وانقضى الموسمُ، وعادَ قلبُهُ كما كانَ، ولذلكَ كانَ بعضُ السلفِ يبكي إذا انتهى موسمُ الطاعةِ، لا لأنَّ العيدَ انتهى، ولكنْ خوفًا ألَّا يكونَ اللهُ قد قبِلَ منهُ عملَهُ.
فيا مَن بلَّغكَ اللهُ هذه الأيامَ… هذه ليستْ أيَّامًا عاديَّةً… إنَّها أبوابُ رحمةٍ فُتحتْ لكَ… وربَّما لا تُفتحُ لكَ مرَّةً أخرى… وكم مِن أناسٍ كانوا معنا في عشرٍ مضتْ… ثم صاروا اليومَ تحتَ الترابِ… يتمنَّى أحدُهم تسبيحةً واحدةً… أو سجدةً واحدةً… أو دمعةَ توبةٍ واحدةً… ولكنْ انتهى العملُ… وبقيَ الحسابُ…
فاغتنموا – عبادَ اللهِ – هذه الأيامَ قبلَ أن تُطوَى صحائفُ الأعمارِ، فإنَّ السعيدَ ليسَ مَن عرفَ فضلَ العشرِ فقط، بل مَن خرجَ منها وقد تغيَّرَ قلبُهُ، وغُفِرَ ذنبُهُ، وكُتِبَ اسمُهُ في ديوانِ المقبولينَ عندَ اللهِ تعالى.
الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أمرَ بالطهارةِ ظاهرًا وباطنًا، وجعلَ النظافةَ من خصالِ الفطرةِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، يحبُّ التوابينَ ويحبُّ المتطهِّرينَ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، نبيُّ الطهارةِ والجمالِ، الذي ربَّى أمتَهُ على نظافةِ القلوبِ والأبدانِ والبيوتِ والطرقاتِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ هذا الدينَ العظيمَ لم يأتِ ليُعلِّمَ الناسَ العبادةَ فقط، بل جاءَ ليبنيَ الإنسانَ بناءً كاملًا، روحًا وجسدًا، ظاهرًا وباطنًا، ولذلكَ كانتِ النظافةُ والطهارةُ من أعظمِ شعائرِ الإسلامِ، حتى جعلَها النبيُّ ﷺ نصفَ الإيمانِ، فقالَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (مسلم 223).
العنصر الثالث: العنايةُ بالنظافةِ سلوكٌ إيمانيٌّ وحضاريٌّ
عبادَ اللهِ، إنَّ النظافةَ في الإسلامِ ليستْ أمرًا ثانويًّا، ولا سلوكًا حضاريًّا فحسب، بل هي عبادةٌ يتقرَّبُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، ولذلكَ ربطَ اللهُ بينَ الطهارةِ ومحبتِهِ لعبادِهِ فقالَ سبحانهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة:222، فجمعَ بينَ طهارةِ القلبِ بالتوبةِ، وطهارةِ الظاهرِ بالنظافةِ، لأنَّ الإسلامَ يريدُ من المسلمِ أن يكونَ نقيَّ الظاهرِ والباطنِ جميعًا.
ولقد اعتنى الإسلامُ بنظافةِ المسلمِ في أدقِّ تفاصيلِ حياتِهِ، حتى تعجَّبَ المشركونَ من ذلكَ، فعن سلمانَ الفارسيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ بعضَ المشركينَ قالوا لهُ مستهزئينَ: “قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتى الخراءةَ!” فقالَ سلمانُ: “أجل” ثم ذكرَ لهم آدابَ قضاءِ الحاجةِ والطهارةِ (مسلم 262).
نعم عبادَ اللهِ… هذا الدينُ العظيمُ علَّمَ الإنسانَ كيفَ يأكلُ، وكيفَ يشربُ، وكيفَ ينامُ، وكيفَ يتطهَّرُ، وكيفَ يحافظُ على نظافةِ بدنِهِ وثوبِهِ وطريقِهِ وبيتِهِ، لأنَّهُ دينُ حضارةٍ ونقاءٍ وجمالٍ.
عبادَ اللهِ، لقد ربَّى النبيُّ ﷺ المسلمَ على نظافةِ الفمِ والأسنانِ، فقالَ: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ» (البخاري 887، مسلم 252)، وقالَ ﷺ: «السواكُ مطهرةٌ للفمِ مرضاةٌ للربِّ» (النسائي 5، حديث صحيح). تأمَّلوا… ليسَ المقصودُ مجردَ تنظيفِ الأسنانِ… بل أن يقفَ المسلمُ بينَ يدي ربِّهِ طيِّبَ الرائحةِ، نظيفَ الفمِ، حسنَ الهيئةِ.
ولذلكَ كانَ ﷺ يكرهُ الروائحَ الكريهةَ، حتى قالَ: «مَن أكلَ ثومًا أو بصلًا فلا يقربنَّ مسجدَنا، فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منهُ بنو آدمَ» (البخاري 854، مسلم 564).
فإذا كانتِ الملائكةُ تتأذَّى من رائحةٍ عارضةٍ… فكيفَ بما نراهُ اليومَ من إهمالِ النظافةِ، وإيذاءِ الناسِ في الطرقاتِ والمواصلاتِ والأماكنِ العامةِ؟!
عبادَ اللهِ، ومن جمالِ هذا الدينِ أنَّهُ دعا إلى نظافةِ البيوتِ والأفنيةِ والأماكنِ العامةِ، فقالَ ﷺ: «إنَّ اللهَ طيِّبٌ يحبُّ الطيِّبَ، نظيفٌ يحبُّ النظافةَ» (الترمذي 2799، حسَّنهُ بعضُ أهلِ العلمِ). ولذلكَ كانَ المسلمُ الحقيقيُّ لا يُلقي قاذورةً في طريقِ الناسِ، ولا يُفسدُ مكانًا عامًّا، ولا يتركُ خلفَهُ أذًى يؤذي عبادَ اللهِ، لأنَّهُ يعلمُ أنَّ الدينَ أخلاقٌ وسلوكٌ، لا كلماتٌ تُقالُ فقط.
وقد جعلَ النبيُّ ﷺ إزالةَ الأذى عن الطريقِ شعبةً من شعبِ الإيمانِ، فقالَ: «الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ شعبةً… وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ» (البخاري 9، مسلم 35). غصنُ شوكٍ تُبعدُهُ… حجرٌ ترفعُهُ… قمامةٌ تُزيلُها… قد تكونُ سببًا في رحمةِ اللهِ بكَ يومَ القيامةِ.
وفي المقابلِ حذَّرَ النبيُّ ﷺ من تلويثِ الطرقاتِ ومرافقِ الناسِ، فقالَ: «اتقوا اللاعنينِ» قالوا: وما اللاعنانِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أو ظلِّهم» (مسلم 269). فكيفَ لو رأى النبيُّ ﷺ ما يحدثُ اليومَ من تلويثِ الشوارعِ، وإلقاءِ المخلفاتِ في الطرقاتِ، وإفسادِ الأنهارِ والمياهِ، حتى أصبحتْ بعضُ الأماكنِ مرتعًا للأمراضِ والأوبئةِ؟!
عبادَ اللهِ، لقد سبقَ الإسلامُ العالمَ كلَّهُ في المحافظةِ على البيئةِ ونظافةِ المياهِ، فنهى النبيُّ ﷺ عن البولِ في الماءِ الراكدِ، فقالَ ﷺ: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري» (البخاري 239، مسلم 282)، لأنَّ الماءَ حياةُ الناسِ، وإفسادَهُ إفسادٌ للحياةِ نفسِها.
وكذلكَ أمرَ الإسلامُ بنظافةِ الطعامِ والشرابِ، فقالَ ﷺ: «خمِّروا الآنيةَ، وأوكوا الأسقيةَ» (مسلم 2012)، حمايةً للطعامِ من التلوثِ والفسادِ، وحفظًا لصحةِ الإنسانِ وسلامتِهِ.
عبادَ اللهِ، وليستِ النظافةُ نظافةَ الظاهرِ فقط، بل أخطرُ القذارةِ قذارةُ القلوبِ والأخلاقِ، فكم مِن إنسانٍ ثوبُهُ نظيفٌ، لكنَّ قلبَهُ مليءٌ بالحسدِ والبغضاءِ والكبرِ والغشِّ والخيانةِ! وكم مِن إنسانٍ يعتني بمظهرِهِ، لكنَّهُ يؤذي الناسَ بلسانِهِ، أو يغتابُهم، أو ينشرُ الفسادَ بينهم!
ولذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم» (مسلم 2564).
فطهارةُ القلبِ أعظمُ من طهارةِ الثوبِ… ونظافةُ الضميرِ أعظمُ من نظافةِ الجسدِ… وكم مِن إنسانٍ نظيفِ الهيئةِ… قذرِ السيرةِ والخلقِ!
عبادَ اللهِ، إنَّ الأممَ لا ترتقي بالفوضى والقذارةِ والإهمالِ، وإنَّ مِن المؤلمِ أن ترى بعضَ الناسِ يحافظُ على النظافةِ إذا سافرَ إلى بلادِ الناسِ خوفًا من القانونِ، ثم يعودُ إلى بلادِهِ فيُلقي القاذوراتِ ويُفسدُ الطريقَ والمكانَ العامَّ وكأنَّ النظافةَ هناكَ حضارةٌ، وهنا ليستْ من الدينِ!".
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق ( الأيام نيوز) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا
موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيام TV، حوادث، خدمات مثل سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات ، جميع الدوريات.