سرايا أنصار السنة.. الوجه المحلي لداعش والموت باسم الطائفة
في حيّ الدويلعة بدمشق، كانت كنيسة "مار إلياس" تصدح بأجراس المحبة والسلام، قبل أن يقتحم صوت الانفجار المشهد ويحوّل لحظة صلاة إلى مأساة وطنية جديدة.
25 قتيلًا و57 جريحًا، ليسوا أرقامًا في نشرة إخبارية، بل بشر ذنبهم الوحيد أنهم اجتمعوا في بيت عبادة، فوقعوا ضحية أيديولوجية تتغذى على الدم والكراهية والرفض.
الهجوم الأخير الذي استهدف الكنيسة في 22 يونيو الماضي، لم يكن حادثًا معزولًا أو فعلًا جنائيًا عابرًا، بل إعلان صريح بعودة خطاب "الطائفة مقابل الدولة"، وانبعاث شبح الجماعات الإرهابية بوجه جديد، أقل صخبًا من "داعش" لكنه لا يقل خطرًا.
الإرهاب بصيغة محلية: عندما تلبس داعش عباءة جديدة
في اليوم التالي للمجزرة، خرج بيان من جماعة تدعى "سرايا أنصار السنة"، يعلن مسؤوليتها الكاملة عن العملية. الجماعة حديثة الولادة، لكنها قديمة الفكر، تنهل من ذات المعين التكفيري الذي تَشبع به تنظيم داعش، لكنها ترتدي ثوبًا محليًا أقرب إلى مزاج الفوضى في الساحة السورية.
مرصد الأزهر لمكافحة التطرف لم يتأخر في التحليل والتشخيص، فالجماعة، كما يشير، تعيد إنتاج خطاب القتل باسم الدين، والتحريض على أساس الطائفة، عبر ذراع إعلامية تُعرف باسم "مؤسسة العاديات"، تُروّج لخطاب يستعيد نصوص سيد قطب، وأشرطة بن لادن، وفتاوى الدم التي أسالت أرواح الأبرياء في العراق وسوريا وليبيا.
الخطير في خطاب "سرايا أنصار السنة" أنه يتحدث بلغة مريضة متطرفة تهاجم الجميع: المسيحيين، العلويين، الدولة السورية، الدستور، دول الخليج، بل حتى تنظيم داعش نفسه الذي لم يعترف بها بعد، ما يعكس ازدواجية في التموقع بين داعش والقاعدة، أو بالأدق بين الماضي العنيف والحاضر الأكثر ضبابية.
من العنف الرمزي إلى الإرهاب المادي: الطائفية سلاح قديم يُشحذ من جديد
إن ما يجري في سوريا اليوم هو أكثر من مجرد هجوم على كنيسة، بل محاولة خبيثة لإعادة صبّ الزيت على نار الطائفية.
فالجماعة بدأت عملياتها الإرهابية في فبراير الماضي بقتل عشرة مدنيين من أبناء الطائفة العلوية في قرية "أرزة" بريف حماة، ثم اختارت كنيسة في قلب دمشق لتوجيه رسالتها السوداء.
هذه العمليات ليست عبثية، بل مدروسة بعناية لبث الفتنة، ودق الأسافين بين أبناء الوطن الواحد، واستثمار حالة الانهيار السياسي والمعيشي في سوريا، لتحويل المواطن إلى مشروع مقاتل طائفي، لا مشروع مواطن في وطن متماسك.
الإرهاب هنا لا يكتفي بالسلاح، بل يُعبّد طريقه بمفردات مشحونة بالكراهية، ترفض مفهوم "المواطنة"، وتكفّر كل من لا يسير على نهجهم المتطرف.
والمفارقة أن الجماعة ترفع راية "السنة" وتدّعي تمثيلهم، بينما أغلب ضحاياهم من السنّة أنفسهم الذين رفضوا الدخول في حروب دينية بالوكالة.
إن الرد الأمني، مهما بلغت دقته، ليس كافيًا. المعالجة الحقيقية تبدأ من نقد الفكرة لا فقط تفكيك البندقية. فهؤلاء لا يقتلون فقط باسم "الثأر"، بل لأنهم تربوا على منظومة فكرية تعتبر العيش المشترك خيانة، والدين أداة سلطة، والاختلاف مبررًا للقتل.
وهنا يأتي دور المؤسسات الدينية المستنيرة، مثل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، الذي لا يكتفي بالتنديد، بل يخوض معركة فكرية حقيقية عبر الرصد، والتحليل، والتفكيك.
لكن هذه المعركة تحتاج تحالفًا واسعًا من الإعلام، والمناهج، والخطاب الديني، والمجتمع المدني، حتى لا نظل نُطارد التنظيمات بعد وقوع المأساة، ونكتشف متأخرين أنهم قد زرعوا ألف عقل جديد في عتمة الجهل والخذلان.
إن "سرايا أنصار السنة" ليست إلا نسخة مشوهة من داعش، تولد من رحم الفوضى، وتتغذى على فشل النُخب، وخذلان العدالة، وخطاب الكراهية المتروك بلا رقيب. لكن الرهان اليوم يجب أن يكون على فكرة المواطنة لا الطائفة، وعلى السلم الأهلي لا الانتقام، وعلى وحدة الشعوب لا ثأر الجماعات.
فالأوطان لا تُبنى بالدم، ولا تُدار بالهويات القاتلة، بل تقوم على العدل، والحق، والكرامة. ولعل دماء المصلّين في "مار إلياس" تكون صيحة وعي في وجه من يريدون أن يُطفئوا نور الحياة باسم الله.