محمد إبراهيم البحيري يكتب: الهجرة سنة الأنبياء وسبيل الأتقياء
في كل عام هجري جديد تهل على الأمة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، فتجدد في القلوب معاني الإيمان، وتستنهض في النفوس عزائم الصبر واليقين، وتعيد إلى الذاكرة صفحة من أعظم صفحات التاريخ الإنساني، لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، ولا تحولا جغرافيا من دار إلى دار، وإنما كانت ميلاد أمة، وبعث رسالة، وإقامة حضارة، وإعلانا أن العقيدة إذا استقرت في القلب هانت دونها الدنيا وما فيها.
والهجرة في لسان العرب تعني الترك والمفارقة والانقطاع، يقال: هجر الشيء إذا تركه وأعرض عنه. ومن هنا كانت الهجرة الحقيقية هي هجرة ما نهى الله عنه إلى ما أمر به، وهجرة الغفلة إلى الذكر، وهجرة المعصية إلى الطاعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».
ولقد كانت الهجرة سنة ماضية في أنبياء الله ورسله، جرت عليهم حين ضاقت بهم السبل، واشتد عليهم أذى أقوامهم، فكانت الهجرة فرجا بعد ضيق، وتمكينا بعد ابتلاء، ونصرا بعد صبر.

فهذا نبي الله نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله، فلا يزدادون إلا عتوا ونفورا، حتى إذا جاء أمر الله أوحى إليه أن يصنع الفلك، وأن يحمل فيها من آمن، فكانت سفينته هجرة بالإيمان من أرض الكفر إلى أرض النجاة، حتى استوت على الجودي، ونجى الله المؤمنين وأهلك المكذبين.
وهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام قام في قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فحطم أصنامهم بالحجة والبيان، فلما عجزوا عن رد الحق لجأوا إلى القوة والنار، فأبطل الله كيدهم وقال للنار: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾، ثم خرج مهاجرا في سبيل ربه، تاركا أرض قومه، قائلا في يقين راسخ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فكانت هجرته انتقالا من محنة إلى منحة، ومن بلاء إلى اصطفاء.
وهذا موسى عليه السلام لما تكالب عليه فرعون وملؤه، وأجمعوا على قتله، جاءه رجل مؤمن من أقصى المدينة يسعى ناصحا ومحذرا، فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، فخرج منها خائفا يترقب، متوكلا على ربه، قائلا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم مضى إلى مدين يرجو هداية ربه وتوفيقه.
ثم جاءت الهجرة الخاتمة، هجرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت تاج الهجرات، وخاتمة السنن، وأعظم التحولات في تاريخ البشرية…
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب البلاد إلى قلبه، وما خرج رغبة عنها، ولا زهدا فيها، ولكن امتثالا لأمر ربه، وحفظا لدعوته، وصيانة لرسالته، فكانت مكة أحب الأرض إليه، غير أن أمر الله أحب إليه من كل شيء، حتى قال: «واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ».
فكانت الهجرة فتحا قبل الفتح، ونصرا قبل النصر، بها قامت دولة الإسلام، واجتمعت الكلمة، وتألفت القلوب، وانتقل المسلمون من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الفرقة إلى الجماعة.
وإذا كانت الهجرة سنة الأنبياء، فهي كذلك سبيل الأتقياء، ومنهج الصالحين، وطريق السالكين إلى الله تعالى، إذ ليست الهجرة انتقال الأبدان فحسب، وإنما هي انتقال القلوب من الهوى إلى الهدى، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى اليقظة.
فالمؤمن الحق هو الذي يهاجر كل يوم، يهجر الكذب إلى الصدق، والخيانة إلى الأمانة، والظلم إلى العدل، والقطيعة إلى الصلة، والبغضاء إلى المحبة، والكسل إلى العمل، والهوى إلى التقوى.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟» فقال: «مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
فطوبى لعبد هجر الذنب وإن استهوته نفسه، وهجر الباطل وإن زُيِّن له، وهجر المعصية وإن دعته إليها شهوته، وأقبل على الله بقلب سليم، وعمل مستقيم، ورجاء لا ينقطع.