الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

في نهاية الحرب الأمريكية على إيران.. فشل المشروع الإسرائيلي

الكاتب الليبي إدريس حميد
الكاتب الليبي إدريس حميد

إذا انتهت الحرب على إيران، أو دخلت مرحلة تهدئة بعد جولات من المواجهة العسكرية والسياسية، فإن المنطقة ستكون أمام تحولات عميقة تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر، لتعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، في ظل متغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة.
فعلى الرغم من الضربات العسكرية والخسائر التي طالت شخصيات قيادية ومواقع حساسة، فإن الدولة الإيرانية لم تسقط، ولم تنهَر مؤسساتها، بل أظهرت قدرة واضحة على امتصاص الصدمات والاستمرار. ويعكس ذلك طبيعة النظام القائم على بنية مؤسساتية وأمنية وعقائدية متماسكة، جعلته قادرًا على الصمود أمام ضغوط مركبة امتدت لعقود.
كما أن الرهان على إسقاط إيران عبر الضغط الخارجي أو تحريك الداخل لم يحقق النتائج المرجوة. فرغم وجود تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية، فإن جزءًا واسعًا من المجتمع الإيراني أبدى رفضًا واضحًا لفكرة التدخل الخارجي، ما أضعف فرضية انهيار النظام من الداخل، وأظهر أن تقديرات بعض الأطراف بشأن هشاشة الداخل الإيراني كانت مبالغًا فيها.

الكاتب الليبي ادريس حميد


ولا يمكن فصل هذا الصمود عن السياق التاريخي لإيران؛ فمنذ عام 1979 وهي تعيش تحت حصار وعقوبات متواصلة، كما خاضت حربًا طويلة مع العراق استمرت ثماني سنوات، ما أسّس لخبرة تراكمية في إدارة الأزمات، وبناء منظومة تعتمد  الصبر الاستراتيجي وتقليل أثر الضغوط الخارجية.
في المقابل، فإن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، خرجت من سلسلة حروب متلاحقة وهي مثقلة بأعباء داخلية متزايدة. فرغم قدرتها على تحقيق تفوق ميداني في عدة ساحات، فإن ذلك لم يلغِ الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية التي تراكمت داخل المجتمع الإسرائيلي.
فقد أظهرت حرب غزة وما تلاها حجم الانقسام الداخلي، وتصاعد المعارضة السياسية، والإرهاق المتزايد للمؤسسة العسكرية، إلى جانب الأعباء الاقتصادية المتنامية، والتوترات الاجتماعية والنفسية. كما أن الأزمات السياسية والقضائية التي تحيط بالقيادة الإسرائيلية زادت من تعقيد المشهد الداخلي، ورفعت منسوب الجدل حول مستقبل القرار السياسي في البلاد، خاصة في ظل الأزمات التي تلاحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وما يرتبط بها من جدل داخلي واسع.
كما أن الردود الإيرانية في بعض جولات المواجهة، ووصولها إلى عمق الداخل الإسرائيلي، شكّلت تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع، إذ أظهرت أن إسرائيل لم تعد بعيدة عن دائرة الاستهداف المباشر، وأن أي مواجهة واسعة قد تفرض كلفة غير مسبوقة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، فإن إسرائيل، باعتبارها طرفًا رئيسيًا في هذا الصراع، ستجد نفسها أمام تحديات وجودية وأمنية متزايدة، ما سيدفعها إلى السعي نحو تعزيز وإنشاء تحالفات إقليمية ودولية جديدة، بهدف مواجهة ما تعتبره الخطر الإيراني، وتخفيف أعباء المواجهة المنفردة، في وقت تعيد فيه إيران والدول العربية والقوى الدولية حساباتها وفق متغيرات جيوسياسية جديدة، فرضتها كلفة الحروب، وتبدل موازين القوى، والتحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي يشهدها العالم.
وفي المقابل، فإن هذه التحولات تفتح أمام الدول العربية، وخاصة الخليجية، فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، من خلال تبني سياسات أكثر توازنًا وبراغماتية، تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان الكامل لمحور واحد، والانفتاح على قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا، بما يعزز استقلال القرار ويحمي المصالح الاقتصادية والأمنية.
كما أن إيران، في حال أرادت الاستفادة من هذه المرحلة، أمامها فرصة لإعادة بناء الثقة مع محيطها الإقليمي، من خلال تبديد المخاوف المتراكمة لدى دول الجوار، خاصة ما يتعلق بالتدخل في الشؤون الداخلية أو توظيف البعد المذهبي في الصراعات السياسية. فالكثير من أزمات المنطقة ليست دينية في جوهرها، بل سياسية واجتماعية وتنموية، جرى إلباسها طابعًا أيديولوجيًا زاد من تعقيدها.
ومن هنا، فإن طهران أمام اختبار مهم يتمثل في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة التوازنات، وبناء علاقات تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة، بدل توسيع دوائر التوتر.
أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن أي تهدئة أو إعادة تشكيل للمعادلات ستنعكس على ملفات حساسة، من بينها الملف اللبناني، الذي ظل تاريخيًا جزءًا من توازنات الصراع في المنطقة. وقد يفتح ذلك المجال أمام مقاربات سياسية جديدة أكثر واقعية، في حال تراجعت مشاريع التصعيد المباشر.
في النهاية، فإن ما بعد الحرب، إن انتهت أو هدأت، لن يكون مرحلة انتصار مطلق أو هزيمة مطلقة، بل مرحلة إعادة تشكيل للواقع الإقليمي، حيث تتراجع منطق الحروب المفتوحة لصالح منطق التوازنات والتحالفات وإدارة المصالح. وفي هذا السياق، يبدو أن بعض المشاريع الكبرى لم تُحسم، بل دخلت مرحلة التعثر وإعادة الحسابات، في منطقة لم تعد تقبل الحلول البسيطة أو الأحادية.

تم نسخ الرابط