الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

الحرب على إيران.. هل تفشل محاولة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط؟

أ.ادريس احميد صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي
أ.ادريس احميد صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي

تطرح الحرب الدائرة على إيران اليوم أسئلة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتصل إلى جوهر الصراع حول شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فهذه المواجهة لا يمكن قراءتها فقط في إطار استهداف البرنامج النووي الإيراني أو تحجيم قدراته العسكرية، فقد أعلن مسؤولون أمريكيون عن تدمير أجزاء من البحرية الإيرانية، وإضعاف قدراتها الصاروخية، وإنهاء برنامجها النووي بحيث يصعب إعادة بنائه، غير أن مدى دقة هذه المعلومات ما يزال محل تساؤل، ولذلك تبدو هذه الحرب جزءاً من صراع أوسع يتعلق بإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة.

لقد كان أحد الرهانات الأساسية لهذه المواجهة إضعاف إيران إلى الحد الذي يفقدها القدرة على التأثير في معادلات الإقليم، غير أن التطورات الأخيرة كشفت أن الدولة الإيرانية لم تكن قائمة على شخص أو قيادة فردية بقدر ما هي منظومة مؤسساتية متماسكة، فسرعة انتقال القيادة واختيار مرشد جديد بسلاسة تعكس وجود بنية سياسية وأمنية قادرة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.

كما أن استمرار إيران في الرد العسكري، رغم الخسائر التي تعرضت لها، يشير إلى أن قدراتها لم تُشل بالكامل، بل إن قدرتها على توجيه ضربات إلى أهداف عسكرية ولوجستية، وامتداد عملياتها إلى قواعد في بعض دول الخليج، يطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاح الرهان على ضربة قاصمة تنهي دورها الإقليمي.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن القول إن مشروع إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط قد تعثر إذا تمكنت إيران من الصمود وفرض معادلة ردع جديدة تجبر الولايات المتحدة على وقف الحرب دون تحقيق أهدافها الكاملة؟

إذا تحقق هذا السيناريو، فإن ذلك قد يُعد فشلاً كبيراً للمخططات التي سعت إلى فرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة، فإسرائيل، التي كانت من أكثر الأطراف اندفاعاً نحو هذه المواجهة، تكون قد استخدمت أقصى أدواتها العسكرية والسياسية دون أن تنجح في إحداث تغيير جذري في موازين القوى.

ومع ذلك، فإن فهم ما يجري يتطلب إدراك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي، رغم متانته، لا يعني بالضرورة تطابق الأهداف بشكل كامل، فإسرائيل تنظر إلى الصراع من زاوية أمنها المباشر وسعيها الدائم إلى إزالة أي تهديد محتمل لتفوقها العسكري في المنطقة، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع الملف من منظور أوسع يرتبط بالمصالح العالمية، واستقرار أسواق الطاقة، والتوازنات الدولية مع القوى الكبرى.

ومن هنا قد تظهر أحياناً اختلافات في سقف الأهداف أو في حدود التصعيد، فواشنطن تدرك أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وقد تفتح الباب أمام تدخلات دولية من قوى كبرى مثل روسيا والصين.

وفي المقابل، فإن نجاح الولايات المتحدة في إخضاع إيران أو إضعافها بشكل كبير قد يُفسَّر داخل بعض الدوائر الأمريكية باعتباره انتصاراً استراتيجياً، وهو ما قد يمنح بعض التيارات في واشنطن حافزاً لتبني سياسات أكثر اندفاعاً تجاه دول أخرى تعتبرها الولايات المتحدة أو إسرائيل تهديداً لمصالحهما.

غير أن هذا الاحتمال يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن الشرق الأوسط ليس ساحة فراغ سياسي أو عسكري. فهناك قوى إقليمية مؤثرة، كما أن القوى الدولية الكبرى تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءاً أساسياً من أمنها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية.

ولهذا فإن فكرة رسم خريطة جديدة للمنطقة ليست مسألة سهلة يمكن فرضها بالقوة العسكرية وحدها. فالمنطقة ترتبط بشبكة معقدة من المصالح الدولية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يجعل أي تغيير جذري في توازناتها مسألة تتجاوز حدود الصراع الإقليمي.

كما أن مواقف القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا والصين، تعكس حذراً واضحاً من السماح بانهيار توازنات المنطقة بشكل كامل، فإضعاف إيران إلى حد كبير قد يؤدي إلى اختلال استراتيجي يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً غير مسبوق، وهو ما لا يتماشى مع مصالح هذه القوى في النظام الدولي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها أدوات الدبلوماسية التقليدية لصالح منطق القوة والضغط. ومع ذلك، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب غالباً ما تنتهي في النهاية إلى طاولة التفاوض، حيث يُعاد توزيع المصالح والنفوذ بين الأطراف المختلفة.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سينتصر في هذه الحرب، بل بما إذا كانت هذه المواجهة ستؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، أم أنها ستعيد إنتاج توازنات جديدة أكثر تعقيداً.

فإذا صمدت إيران وتمكنت من منع فرض واقع استراتيجي جديد بالقوة، فإن ذلك قد يعيد التأكيد على أن الشرق الأوسط لا يمكن إعادة تشكيله بسهولة وفق إرادة طرف واحد، أما إذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما، فقد نشهد مرحلة جديدة من الصراعات ومحاولات إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.

وفي كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم لا يحدد فقط مستقبل إيران أو إسرائيل، بل قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، حيث تتداخل حسابات القوة مع توازنات المصالح في عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية دولية أكثر تعقيداً.

تم نسخ الرابط