المفتي: الخلاف العقدي إذا أدير بالعلم يتحول لطاقة بناء لا أداة هدم
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في كلمته خلال المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري، أن انعقاد المنتدى يمثل لحظة علمية بالغة الأهمية تستدعي استحضار العقل وتحرير المفاهيم وتحديد أدوات الحوار، في ظل تنافس الخطابات وتضارب الأفكار، واشتداد الحاجة إلى صوت علمي رصين يعيد للاختلاف أخلاقه، وللعقيدة اتزانها، وللوحدة معناها.
أبرز تصريحات مفتي الجمهورية اليوم
وأضاف مفتي الجمهورية، أن استدعاء المنهج الأشعري ليس ترفًا فكريًا أو حنينًا للماضي، بل فريضة علمية لمواجهة ظاهرة التكفير وإعادة الاعتبار لأخلاقيات الخلاف، موضحًا أن الإمام الأشعري أسس منهجًا علميًّا أنصف الفرق الإسلامية، وارتقى بالخلاف من دائرة الاتهام إلى أفق الفهم والتحليل، وجعل الخلاف حين يُدار بالعلم والمنهج طاقة بناء تثري العقل الإسلامي ولا تمزق وحدة الأمة.

وشدد “المفتي”، على أن الفِرق الإسلامية كانت نشأتها تفاعلًا علميًّا مع أسئلة فكرية عميقة، وليس انقسامًا عشوائيًّا كما يتوهم البعض، وأن الخلاف العقدي حين يُدار بالعقل والمنهج يتحول إلى أداة بناء لا إلى ساحة صراع.
كما استعرض إحدى اللحظات المفصلية في التاريخ الفكري الإسلامي، وهي سؤال أثير في مجلس الإمام الحسن البصري، الذي أدى إلى نشأة فرقة المعتزلة، مؤكّدًا أن الهدف من الاستحضار ليس تتبع النشأة التاريخية، بل فهم كيفية التعامل مع الأسئلة العقدية في فضاء العلم، وما يترتب على ذلك من خلاف علمي بين كبار العلماء.

وأوضح أن رجوع الإمام الأشعري عن الاعتزال شكّل لحظة كشف علمي، أرست أساسًا لمنهج عقدي أكثر اتزانًا وشمولًا، وأن هذا الحراك الفكري ظل يتجدد عبر القرون بتجدد الأسئلة، حتى وصل إلى مفاهيم معاصرة أثارت جدلاً واسعًا، مما يجعل استدعاء المنهج الأشعري اليوم ضرورة علمية وحضارية.

وحذّر مفتي الجمهورية، من أن انحراف الخلاف الفكري عن مناهج العلم وضوابط الفهم وقواعد الاستدلال كان مدخلًا خطيرًا للتكفير بين طوائف المسلمين، وما تفرع عنه من فوضى في الفتاوى، أدت إلى استباحة الدماء والأعراض وتقويض مقاصد الشريعة، وتمزيق نسيج الأمة، وتسهل تكالب الأعداء عليها.
وأضاف أن الفتاوى المنفلتة وفّرت غطاءً دينيًا زائفًا لممارسات عنيفة شوهت صورة الإسلام وهددت أمن المجتمعات، وأسهمت في تغذية خطاب إعلامي غربي مشوه قدم الإسلام على أنه دين للعنف، ما ساهم في تفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا.
وأكد أن مصر والأزهر الشريف يتحملان مسؤولية علمية وأخلاقية تاريخية في مواجهة الفكر المتطرف، وترسيخ خطاب الوسطية والاعتدال، والعمل على إعادة الاعتبار لمنهج الخلاف العلمي وإغلاق أبواب التكفير، حفاظًا على وحدة الأمة وأمنها.
وتوقف مفتي الجمهورية، عند منهج الإمام الأشعري كما تجسد في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، واصفًا إياه بثورة منهجية في دراسة الفرق والمذاهب، إذ اختار الإمام منهج التوثيق قبل النقد، والفهم قبل الحكم، والإنصاف قبل الإدانة، في وقت سادت فيه عناوين الإقصاء والتشهير، مشيرًا إلى أن عنوان الكتاب نفسه يؤكد قاعدة شاملة، وهي التسليم بإسلام كل من توجه إلى القبلة، مهما اختلفت اجتهاداته أو تأويلاته، وأن الخلاف في فروع المسائل العقدية لا يخرج عن دائرة الإسلام الجامعة.

ولفت إلى أن الهاجس الأكبر في المشروع الأشعري كان هاجس وحدة الأمة، وأن قاعدة "عدم تكفير أهل القبلة" تمثل جوهر المشروع وذروة عطائه الفكري، مؤكّدًا أنها لم تكن تقريرًا نظريًا، بل خلاصة تجربة علمية طويلة، جسدها الإمام في موقفه الأخير قبيل وفاته حين أعلن أنه لا يكفر أحدًا من أهل القبلة، موضحًا أن هذه القاعدة تمثل اليوم أساسًا تنطلق منه المؤسسات الدينية المصرية في مواجهة جماعات التكفير والعنف، وأن التكفير حكم شرعي منضبط لا يجوز أن يكون بيد آحاد الناس، ولا يخرج المسلم من دائرة الإسلام إلا بجحود ما أدخله فيها.

وشدد مفتي الجمهورية، في ختام كلمته، أن تأسيس مركز الإمام الأشعري يهدف إلى بعث روح علمية جديدة مستلهمة من هذا التراث، تقوم على إحياء أخلاقيات الجدل واحترام المخالف وتجديد علم الكلام بما يواكب تحديات العصر، معربًا عن شكره وتقديره للإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب على رعايته للمنتدى، ومثمّنًا الدور العلمي للدكتور حسن الشافعي، داعيًا الله أن يحفظ الأزهر الشريف منارة للعلم والاعتدال، وأن يحفظ مصر والأمة من كل سوء.
اقرأ أيضًا:
تعاون مرتقب بين دار الإفتاء المصرية وجامعة معدن الثقافة الإسلامية بالهند
مفتي الجمهورية: نسعى لتعزيز التعاون مع المؤسسات الإسلامية في أوروبا
مفتى الديار المصرية الدكتور نظير عياد ضيف دولة التلاوة اليوم
مفتي الجمهورية: تشخيص الأمراض عبر الذكاء الاصطناعي دون طبيب "محرم شرعًا"
- تابع موقع الأيام المصرية عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
- تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (فيسبوك) اضغط هــــــــــنا
- تابع موقع الأيام المصرية عبر تطبيق (تويتر) اضغط هــــــــنا
موقع الأيام المصرية، يهتم موقعنا بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، ونقدم لكم خدمة ومتابعة شاملة ومجموعة كبيرة من الأخبار داخل الأقسام التالية، أخبار، رياضة، فن، خارجي، اقتصاد، الأيامTV، حوادث، خدمات مثل: سعر الدولار، سعر الذهب، أخبار مصر، سعر اليورو، سعر العملات ، جميع الدوريات.