عندما تفقد نفسك .. لا تصالح
لا تصالح .. ليس فقط على الدماء التي أُريقت، ولكن على النفس التي بليت، وعلى الجسد الذي أُنهك، وعلى العمر الذي فُني في سبيل بعض الأشياء التي لم تكن "لا شيء".
في دروب الحياة، خضنا المعارك والحروب، ولم يُكتب لنا النصر في أيامها، لأن هزائمنا وإنكساراتنا كانت بأيدي من حاربنا لأجلهم، القضية لم تكن في الخسارة بقدر الخذلان الذي تجرعناه. نحن اعتدنا كلما سقطنا أن نفيق ونعود سريعًا، لكن هذه المرة فشلنا.
إن عدم القدرة على العودة لم يكن أبدًا ضعفًا بقدر ما هو إدراكٌ مرير بأن الطريق الذي خطوناه لم يعد موجودًا، وأن الوجوه التي كنا نركض نحوها غضت الطرف عنا لتصبح هي نفسها الجلاد، عندما تُهدم الجسور التي عبروا عليها معك، لا يصبح السؤال "كيف العودة؟"، بل "إلى أين؟".. وهنا تكمن قمة العجز، حيث ينتهي الأمل وتتيه الدروب!
"لا تصالح" ليست مجرد مطلع قصيدة تمس قضية قومية، لكنها استهلال لكلمات تمس أزمة وجدانية، لا تصالح، لأن من يصالح ينسى، ونحن نريد ألا ننسى، حتى ولو طاردتنا الليالي الطويلة، وأسرتنا الندوب بأوجعها، كيف يطلبون السماح والنسيان؟ باعتبار أنه نوع من الشفاء، مع ذلك هم لا يدركون أن بعض الغفران هو انتحار رمزي.
أن تصالح من استباح روحك يعني أنك تقر بأن ما ضاع من عمرك ومن جسدك المنهك كان رخيصًا، ونحن لا نقبل أن تكون أوجاعنا سلعة للمقايضة، لا تصالح لأن النسيان هو الثقب الذي تتسرب منه الكرامة، بينما تظل الندوب هي الذاكرة الحية التي تنبهنا أين كنا وأين وصلنا.
لا أعتقد أن النسيان جدير بنا، فالذين لم يرحموا تفتت أرواحنا، لا يستحقون منا رفاهية الغفران، أو نمنحهم صك براءة بنسيان زائف.
لا تصالح من عبروا على جسور روحك واستباحوا دمائك ورقصوا فوق رفاتك، إن نفسا قتلت بلا هوادة وإن عادت لم تهدأ ولن تستكين إلا بقصاص عادل.