
لم يكن انفجارًا ولا تصدعًا تدريجيًا، بل كان سقوطًا مفاجئًا لعقار قديم، مكون من ثلاثة طوابق، يضم سبع شقق سكنية، عاش فيها الفقراء والبسطاء، وبات اليوم كومة من الركام.
لكن المعجزة هذه المرة لم تكن في قوة الإسمنت أو شجاعة السكان، بل في التوقيت.
انهيار العقار لم يُسفر عن أي إصابات, نعم، صفر إصابات, وكأن الحياة منحت هؤلاء السكان فرصة أخرى للتنفس، والبحث عن سقف لا يتهاوى فوق رؤوسهم. لحظة قبل الحادث، كانت الأجهزة التنفيذية قد أخلت العقار بالكامل بعد رصد علامات خطر واضحة، ليبدأ فصل جديد من النجاة... والخوف.
رئيسة حي عين شمس، المهندسة أمل فوزي، كانت في موقع الحادث,لم تُخفِ الحزن، لكنها لم تُخفِ الفخر أيضًا بسرعة الاستجابة.
أكدت أن العقار قديم، ومصنف ضمن البنايات المتهالكة، وقد تم التعامل مع الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة.
لكن خلف مشهد الانهيار، تتوارى حكايات أكبر بكثير من حجارة الإسمنت.
هذا العقار ليس حالة فردية, بل هو واحد من نحو 37 ألف عقار مهدد بالانهيار في مصر، بحسب آخر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2023)، منهم نحو 12 ألف عقار صنفت كخطرة بشكل عاجل وتحتاج تدخلًا فوريًا.
وفي القاهرة وحدها، تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 4300 عقار آيل للسقوط، أغلبها في أحياء شعبية تعاني من الإهمال المزمن، مثل عين شمس، وشبرا، وحلوان.
ورغم وجود قوانين تُلزم ملاك العقارات بترميمها، إلا أن الواقع يتحدث بلغة أخرى: ضعف الرقابة، غياب التمويل، وتعقيدات قانونية تجعل من الصعب هدم العقارات الخطرة أو ترميمها دون صراع مع الورثة أو المستأجرين أو حتى الجهات المعنية.
الناجون من عقار عين شمس خرجوا بأجسادهم فقط ,لا أمتعة ولا ذكريات.
كل شيء تبعثر تحت الأنقاض, أما الأمل، فهو في أن تستيقظ المؤسسات قبل أن تُنبهها كارثة جديدة.
الأنفاس ما زالت عالقة في الحناجر، وأطفال الحارة ينظرون إلى الفراغ الذي كان بالأمس جدارًا يحمل صور زفاف أو أرفف كتب قديمة.
بينما تنتظر العقارات المجاورة نتائج لجنة المنشآت الآيلة للسقوط، يأمل السكان أن لا يكونوا الرقم التالي في نشرة الانهيارات.
في بلد يعاني من تكدس عمراني هائل، وانفجار سكاني يقترب من 105 ملايين نسمة، باتت أزمة السكن الآمن أولوية ملحّة لا تقبل التأجيل, فكل منزل يُهمل، هو مأساة مؤجلة. وكل عقار متصدع، هو قنبلة صامتة بين الأرواح.
الأسوأ أن هناك من اعتاد صوت الانهيار، ومرّ عليه مرور الكرام.
لكن الأمل اليوم أن يكون حادث عين شمس ليس مجرد خبر عاجل في شريط الأخبار، بل جرس إنذار يُسمع بوضوح، ويوقظ الضمائر الغافية على أوراق لجان السلامة.
هل نحتاج إلى سقوط الأرواح حتى نتحرك؟ أم أن مشهد عقار نجت فيه الأرواح يكفي لنبدأ خطوة فعلية نحو حماية الإنسان قبل الحجر؟