
رحلت في صمت الدكتورة إكرام منصور مدير تحرير جريدة الجمهورية، ونزل خبر وفاتها كالصاعقة على قلوب كل من عرفها.
صدمةٌ حقيقية خيمت على الزملاء، وذهول عمّ الأوساط الصحفية والبحثية، وكأن صوتًا هادئًا انطفأ فجأة في زحام هذا العالم، تاركًا وراءه فراغًا لا يُملأ، وذكرى لا تغيب.
الدهشة لم تكن فقط لسرعة الفقد، بل لأن من غابت لم تكن كأي أحد، كانت من الذين يصنعون الفرق في كل مكان، يزرعون القيمة في كل موقف، ويرحلون تاركين خلفهم ميراثًا من النُبل والصدق لا يندثر.
لم تكن الدكتورة إكرام منصور مجرد زميلة عبرت حياتنا المهنية في صمت، بل كانت حضورًا يفيض بالأخلاق والاحترام، وروحًا شفافة تُشبه الضوء حين يتسلّل في الظلمة دون أن يُحدِث ضجيجًا.
رحلت كما كانت دائمًا… هادئة، مهيبة، نزيهة، لكنها تركت وراءها سيرةً لا تُنسى، وأثرًا لا يمحوه الغياب.
عرفناها صحفية بقلم لا يعرف المجاملة ولا التلوّن، كانت ترى الصحافة رسالة لا مهنة، ضميرًا لا منصبًا، وكانت الكلمة عندها عهدًا لا يُنكث.
في زمنٍ ازدحم فيه المشهد بالضجيج والسطحية، كانت هي تختار الطريق الأصعب طريق الصدق، فلم تكتب لتُرضي أحدًا، بل لتقول الحقيقة، ولم تسعَ خلف مجدٍ زائف، بل اكتفت بشرف الكلمة النظيفة.
لكن المهنية لم تكن كل ما ميّزها، بل كانت إنسانة قبل أن تكون صحفية، راقية في تعاملها، كريمة في عطائها، نقية في نواياها، تمد يدها وقت الشدة، وتبتسم في وجه الجميع، حتى وهي تُخفي خلف ابتسامتها وجعًا لا يعرفه أحد، فكانت حاضرة في قلوب من عرفوها، لا تزاحم، لا تتكلف، لكنها تترك في كل موقف بصمةً من نور.
وما يضفي على سيرتها طهارةً أكثر، هو حبها الصادق لوطنها الحبيب مصر، كانت وطنية لا تزايد، واعية لا تندفع، مؤمنة بأن خدمة الوطن تبدأ من الكلمة الصادقة والموقف الشريف.
لم تكتفِ بما نالته من خبرات مهنية، بل حملت على عاتقها همّ العلم، فحصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه، ثم زمالة كلية الدفاع الوطني، وأتمّت جميع الدورات التثقيفية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، مدفوعةً بإيمانها العميق أن الكلمة المسؤولة لا تأتي من فراغ، بل من وعي ومعرفة وانتماء.
جمعت بين القوة واللطف، بين العلم والتواضع، بين المهنية والإنسانية، كانت حين تتحدث، ينصت الجميع؛ لا لأن صوتها عالٍ، بل لأن احترامها لذاتها جعل صوتها مسموعًا دون أن ترفع نبرة واحدة، وحين تكتب، كانت الكلمات تنساب كما تنساب الحقيقة: واضحة، راقية، عادلة.
لم تكن تمر في الأماكن مرور العابرين، بل كانت تبني في قلوب من حولها بيتًا من الاحترام، وتترك في كل مَن تعامل معها درسًا في الرقي والإخلاص، بسيطة في هيئتها، عظيمة في رسالتها.
رحلت من الدنيا كما يعيش الكبار، في صمت، لكن بقدرٍ كبير من الفخر، لم تكن تحتاج ضجيج الرحيل لتُذكّرنا بقيمتها، فقد كانت حاضرة في قلوبنا، وستظل، وإنّا لنشهد – بحق – أن الدكتورة إكرام كانت مثالًا للمرأة التي شرفت الكلمة، وصانت الأمانة، وأخلصت للمهنة، ورفعت راية مصر في صمت العلماء وعظمة الشرفاء.
رحمكِ الله رحمةً واسعة يا دكتورة إكرام، بقدر ما قدّمتِ من خير، وما زرعتِ من قيم، وما علمتِ من دروس، ونسأل الله أن يجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأن يُجازيكِ عن كل موقف شريف، وكل كلمة نزيهة، وكل نفس أنصفتِها، خير الجزاء.
وإنّا على فراقكِ لمحزونون، لكن عزاءنا أنكِ تركتِ سيرةً تليق بالكبار، وسمعةً تبقى لنا نبراسًا نقتدي به.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.