الايام المصرية
رئيس مجلس الإدارة
د. أحمد رضوان
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس مجلس الإدارة
د. أحمد رضوان
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
الايام المصرية

ليس هذا عنوانًا لشد الانتباه أو الإثارة الصحفية، بل حقيقه يعيشها معظم سكان مدينه نصر مؤخراً، ففي قلب العاصمة النابض بالحركة، حيث يفترض أن يسود النظام وتتجسد هيبة الدولة، تحوّلت ليالي مدينة نصر مؤخرًا إلى ما يشبه حظر تجوال غير معلن. 

ليس الأمر مبالغة صحفية ولا عنوانًا للفت الأنظار، بل حقيقة مريرة يلمسها سكان المنطقة يومًا بعد يوم، إذ بات الخروج من المنازل بعد غروب الشمس مغامرة محفوفة بالخوف، وسط سيطرة شبه كاملة لعشرات الكلاب الضالة على الميادين والشوارع الجانبية والرئيسية.

ما كان في السابق يقتصر على نباح متفرق هنا أو هناك، ولكنه أصبح مشهدًا متكرّرًا، مجموعات من الكلاب تتجمّع فجأة، تعوي وتهاجم وتُرعب، ولا ينجو منها المارّون إلا بتدخل عابر من أصحاب المحال أو سكان الحي. 

الأكثر إيلامًا أن أداء صلاتي العشاء والفجر في المساجد بات تحديًا، إذ تقلص عدد المصلين إلى صف أو صفين في بعض المساجد الشهيرة مثل مسجد بلال بن رباح ومسجد الشهيد الشربيني، القريبين من شارع أحمد محمد إبراهيم المتفرع من شارع عباس العقاد، بعدما أصبحت الطرق المؤدية إليهما غير آمنة.

شوارع محاصَرة.. ومشهد ليلي قاتم

في المساء، تبدأ المعاناة الحقيقية، فعمال التوصيل بالكاد يستطيعون التنقل، والأهالي يفضلون البقاء في منازلهم على مجازفة الاصطدام بقطيع ضال غاضب.

أما النباح والصياح بين الكلاب، فغالبًا ما يبدأ بعد منتصف الليل، موقظًا الجميع من نومهم، ولا يهدأ إلا عندما يتدخل بعض السكان من شرفاتهم بالحجارة، وكأنهم يخوضون معركة حقيقية لاستعادة الهدوء.

ما يزيد الوضع قسوة هو تركز أعداد الكلاب بصورة مريبة في عدد من الشوارع الرئيسية، ومنها شارع أحمد محمد إبراهيم، المقابل لسور الحديقة الدولية، وشارع عمر لطفي العامودي، وشارع عبد الستار دياب. 

الغريب أن لا أحد يعرف سبب هذا التمركز بالضبط، لكن المؤكد أن القمامة المنتشرة بلا تنظيم وفّرت بيئة خصبة لتكاثرها، فبحسب المختصين، يمكن لأنثى الكلب أن تنجب ما بين أربعة إلى ثمانية جراء في كل مرة، ما يعني أن الأعداد مرشحة للانفجار في أي لحظة، إذا لم يتم تدارك الموقف.

حل مشكلة العض عند الكلاب البالغة - الأسباب والحلول العملية

30 مليون كلب.. وتحولات قانونية تزيد الأزمة

رقم مرعب ورد في تصريحات الدكتور محمود حمدي، وكيل النقابة العامة للأطباء البيطريين، قائلاً: "هناك ما بين 20 إلى 30 مليون كلب ضال في الشوارع المصرية، أي بمعدل كلب لكل أربعة مواطنين"، وهو رقم ينذر بكارثة بيئية وصحية واجتماعية وشيكة.

في الماضي، كان التعامل مع الكلاب الضالة يتم عبر القنص أو استخدام مادة "الاستركنين" السامة، لكن منذ عام 2023، وتحت ضغط جمعيات الرفق بالحيوان، تم حظر تلك الأساليب وتجريم استخدامها قانونًا، كما تغيّر المصطلح الرسمي من "كلاب ضالة" إلى "كلاب الشوارع".

جمعيات حقوق الحيوان نفسها نظّمت وقفات أمام البرلمان دفاعًا عن الكلاب، لكنها – للمفارقة – لم تُبدِ حماسة مشابهة لقضايا إنسانية أعظم، كالمجازر في غزة أو حوادث غرق المهاجرين.

الحل الرسمي الذي تتبناه الحكومة حاليًا هو التعقيم والتطعيم ضد مرض السعار، وهي خطوة حضارية بلا شك، لكنها غير كافية أمام هذا التكاثر المتسارع. 

فقد كشفت وزيرة التنمية المحلية، الدكتورة منال عوض، في مؤتمر رسمي، أن تكلفة تعقيم الكلب الذكر تبلغ 100 جنيه، أما الأنثى فتصل إلى 300 جنيه، وهو ما يطرح تساؤلات واقعية: من سيتحمّل هذه التكاليف؟ وهل ستجدي شيئًا في ظل الأعداد المتزايدة يومًا بعد يوم؟

وفيما تقترح الدولة إنشاء صناديق تبرعات من شركات الأدوية وهيئات حكومية ودولية لتمويل هذه الحملات، يبقى المواطنون عالقين بين مناشدات لا تجد آذانًا صاغية، وواقع يزداد سوءًا.

احذر فبعض الكلاب قد تقتلك.. أشرس 10 كلاب في العالم - المصدر أونلاين

الحلول موجودة.. لكن القرار غائب

بعيدًا عن المؤتمرات والشعارات، لا يحتاج الأمر إلى معجزات، ويمكن ببساطة نقل الكلاب إلى مناطق صحراوية شاسعة – وما أكثرها – مع نقل مقالب القمامة إليها، لتوفر لها مصدر غذاء طبيعي، كما يمكن لجمعيات الرفق بالحيوان تنظيم زيارات دورية للاطمئنان عليها، وتوثيق ذلك بكاميراتهم إن أرادوا.

هكذا يمكن حماية المواطنين، والحفاظ على الكلاب في الوقت نفسه، دون إضرار بهذا أو ذاك.

نحن أمام مشكلة لا تخص فئة واحدة، بل تمس الجميع، كبارًا وصغارًا، مصلين وعاملين، رجالًا ونساءً، لا أحد يطلب قتل مخلوقات الله، ولكن لا بد من إجراءات جادة تحفظ حياة الناس وتعيد الطمأنينة إلى شوارع كانت آمنة ذات يوم.

ارحموا من في الأرض... يرحمكم من في السماء.

تم نسخ الرابط